لا أعتقد أن ثمة كلمة ظُلمت واستبيحت قدر ما استبيحت مفردة (إستراتيجية).. هذه المفردة التي استبدلها المفكر العربي الكبير ادوارد سعيد ب (استخطاطية) على اعتبار أنها في أبسط تعريفاتها تعني تلك الخطط التي توضع لتحقيق هدف معين على المدى البعيد اعتمادا على الدراسات والمصادر المتوفرة في المدى القصير، فلا تكاد تمر لحظة واحدة دون أن نسمع هذه الكلمة في التصريحات وفي الحوارات على ألسنة بعض المسؤولين، وحتى في الأحاديث العامة، وفي أمور صغيرة أحيانا . إلى حد أنها أصبحت العربة التي يستقلها الجميع لتنفيذ ما في رؤوسهم بعيداً عن المساءلة، لكن وبما أنها مصطلح يوناني تعني الأمر العسكري.. بمعنى أنها ترتدي البزة العسكرية بكل ما فيها من معاني الطاعة العمياء، فقد تسلل هذا المعنى فيما يبدو إلى عقولنا إلى درجة التسليم بكل ما تقوله كما لو كان أمرا لا يقبل الجدل.. فبمجرد أن يخرج أحدهم ليقول: إن لدينا إستراتيجية لهذا الأمر أو ذاك.. فهذا يعني وبشكل ميكانيكي أن لديهم برنامجا جماعيا أنتجته عشرات إن لم يكن مئات العقول.. ليغلق الباب تماما أمام أي تفكير أو تساؤل.. غير أنه وأمام عشرات الاستراتيجيات التي لا صلة لها بمعناها الحقيقي، وثبت أنها مجرد عزف منفرد.. بات من واجبنا أن نعود لفحص هذه المفردة، وكيفية استخدامها بعد استيرادها دون أدواتها وآلياتها الموضوعية التي تستند على منطق التفكير الجماعي وعلى الدراسات الجادة والاستبانات الدقيقة التي تعتني بأصغر الأسئلة وأقلها شأنا .
أصدقكم القول: إنني لا زلتُ مندهشا من إستراتيجية وزارة الصحة، والتي سمعتها من أحد مسؤوليها تحت هذا العنوان تحديداً جهة مراكز الأعمال، حيث تمّ التهليل لها كخطوة متقدمة وربما خارقة في بدايات تطبيقها، وقبل أن تفاجئنا الوزارة ذاتها وبعد أقل من عام واحد، وبخبر صحافي مقتضب بأنها غير مجدية.. هنا يجب أن نتساءل: لماذا جاءت إستراتيجية مراكز الأعمال بالتهليل وكأنها الفتح المبين، وأغلقت بآلاف اللعنات، وأنا أستخدمها هنا فقط كمثال ليس أكثر؟
ذلك لأن الإستراتيجية تقوم على الجهد الجماعي، وعلى الدراسات الميدانية المعمقة، في حين أن العقلية الإدارية لدينا لا تزال تقوم على الفردانية.. فالمدير هو الذي يفهم في كل شيء، والموظفون معه مجرد قطيع يأتمرون بأمره وينتهون بنواهيه، ورئيس البلدية هو المهندس العبقري وجميع المهندسين الذين درسوا وتعلموا ويعملون معه ليسوا أكثر من أدوات لتنفيذ أفكاره، والمعلم هو الذي يمتلك الصواب فيما لا يملك الطالب غير الخطأ .
أنا أعتقد أننا أمام مأزق إداري كبير بسبب سيادة الفردانية على استثمار العقل الجمءعي لبناء نمو حقيقي تستحقه بلادنا .