د. شروق الفواز
قبل أن أبحث معكم تفاصيل هذه القضية أحب أن أوضح لكم بأنني لم أشكك يوما في جدوى ولا ضرورة فحص ما قبل الزواج الذي أقرته وزارة الصحة وجعلته شرطا لعقد القران قبل أن يصلني ذلك البريد والذي كشف لي جانبا كنت غافلة عنه قد لا تعترف به الحقائق العلمية ولا تؤيده التقارير الطبية ولكنه يمس جانباً اجتماعياً مهماً وحساساً يستوجب منا الوقوف عنده وبحث أبعاده والتعمق فيها لإدراك تأثيراتها الاجتماعية والنفسية على المتقدمين للزواج وعلى أسرهم.
كتب إلي أحدهم متحدثا ومتسائلا عن قصة أخته وابن عمه واللذين كانا ينويان الزواج وبعد أن تهيآ لكل شيء لم يبق لهما سوى فحص ما قبل الزواج والذي كانت نتيجته صادمة لهما حيث أثبتت إصابة أخته بفيروس التهاب الكبد الوبائي..
يقول المرسل في تفاصيل رسالته لم يكن ابن عمي مجرد قريب بل كان صديقاً لا تخلو جلساتنا ولا سهراتنا من رفقته وبعد أن ظهرت النتائج ظهر القلق والتردد عليه وكنت معه في كل مراحل قراره واتخاذه والذي انتهى بعدم الاقتران بأختي لأنها مصابة بمرض معد يمكن أن ينتقل إليه وإلى أبنائه ولا سبيل لإغفال هذه الحقيقة المرة .
لم تتقبل الأسرة قراره هذا ولم تتعامل معه بحكمة بل إنه أحدث شرخاً في العائلتين أتمنى من الزمن أن يضمده وكي أكون صادقا ومنصفا حتى أنا لم أتقبله حتى وان ادعيت ذلك لأنه قد أضر بأقرب الناس لي وجرحها ولو كنت مكانه لربما فعلت الشيء ذاته لكني لم أتوقف عن التفكير في مصير أختي التي انتشر خبر إصابتها بهذا المرض وباتت في حالة نفسية صعبة وهي ترى فيه نهاية لكل حظوظها في الزواج وقرارا مسبقا لها بالعنوسة وهي في عز شبابها وكامل صحتها وأنوثتها. قد أكون متشائما لكني تمنيت لو أنا كنا نعرف بحملها وإصابتها بهذا الفيروس من قبل لكنا تداركنا الأمر ومنعناه أو لكنا طلبنا من امرأة أخرى أن تعمل الفحص حتى ولو كان فيه غش لكن من ذا يبالي ونسبة السعوديين الحاملين لهذا الفيروس أو المصابين به ويمارسون حياتهم بشكل طبيعي عالية. كم هو عدد الأزواج الذين كان أحدهم حاملاً للفيروس أو مصاباً به وسارت أموره مستورة عمراً لم ينشط خلالها ذلك الفيروس أو يصيب أحداً ؟
قد يتطور في مراحل متقدمة وقد لا يتطور لكن هل يمكن أن نسمح لشيء يمكن أن يكون جهلنا به رحمة لنا لأنه جزء من قدرنا بأن يحرمنا فرصاً حقيقية في الحياة وحدوثه قد يكون مجرد احتمال؟!
الرسالة كانت مؤثرة وتحمل مشاعر حقيقية لواقع قد يعيشه أي واحد منا حاولت أن أختصرها وأنقلها بأسلوبي وبكل حيادية لأنها تظهر جوانب مهمة لنا. فنحن نتحدث عن قضية حساسة تتعلق بأمر اجتماعي شديد الخصوصية وهو الزواج مما يجعلنا أمام احتمالات عدة وتساؤلات مهمة عن مدى استيعاب المجتمع لضرورة هذا الإجراء وهذه الفحوصات ومدى فاعليتها .
وما هي محاسنها وأضرارها وإن كان لها أضرار فهل يمكن تجنبها ؟ حاولت أن أعزل ثقافتي الطبية لأنظر لهذه القضية وتحديداً مرض التهاب الكبد الوبائي المعدي من جانب آخر أنا لا أتحدث عن الأمراض الأخرى الوراثية أو الجنسية المعدية لأن نسبها تظل منخفضة وتأثيرها القريب أقرب إلى الإدراك بالنسبة للمجتمع من مرض شائع ومنتشر مثل التهاب الكبد الوبائي الذي يظل فيروسه كامناً في الجسم وتأثيراته المزمنة قد تتطور مع الزمن وقد تظل على ما هي عليه ويعتقد الكثير أن فرص الإصابة به بطرق أخرى قد تكون أكثر مما يمكن أن تسببه علاقة زواج.
أعتقد أن نسبة انتشار هذا المرض تحديدا بين أفراد المجتمع والمرتفعة نسبيا تستوجب منا اتخاذ إجراءات أكثر فاعلية وقرباً لتوعية الناس بأضراره وطبيعته وتهيئتهم لتقبل نتائج فحص ما قبل الزواج والتعامل معه بوعي وإدراك أكثر حتى لا نقع في إشكال آخر وهو التلاعب بنتائج الفحص أو تهيئة الفرصة لأصحاب النفوس الضعيفة لاستغلاله والتكسب منه لتجنب أي إحراج أو ألم مما ينفي عن هذا الفحص المهم فاعليته فيصبح إجراءً شكلياً يرتب له مسبقا ويفقد الغاية التي من أجلها عُمل فتقل الفائدة المرجوة منه.
نحن بحاجة لبحث تأثيرات مثل هذه الإجراءات المصيرية على المجتمع ومدى تفاعله معها وقدرته على استيعابها وتقبل آثارها النفسية والاجتماعية وبحث السبل الممكنة التي يمكن اتخاذها لتحقيق أكبر فائدة بأقل الخسائر.