بحث



الخميس 27 شعبان 1429هـ - 28 اغسطس 2008م - العدد 14675

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


إيقاع الحــرف
دور التكيّف الاجتماعي في تغير الخطاب الثقافي السـعودي

ناصر الحجيلان
    كثير من سكان المدن الحديثة في السعودية كالرياض جاؤوا إليها في الأصل مهاجرين من مدن وقرى من مناطق مختلفة. فهناك من جاء من الجنوب ومن الغرب بكثرة، وهناك من جاء من الشرق وكذلك من الشمال وإن كانوا أقل من غيرهم. جاء كل فرد وهو يحمل معه ثقافته الخاصة وقيمه الذاتية التي تمثل ثقافة منطقته. ومالبثوا فترة من الزمن حتى انصهرت ثقافاتهم الفردية بثقافة عامة تمثل المجتمع الجديد، وكادت الفروق المميزة تضمحل مع مرور السنين ومع نمو الأجيال الجديدة.

والتغير الذي حصل لم يقتصر على معطيات مادية تتعلق بالمظهر والسكن واللغة فحسب، بل شمل قيمًا أساسية كالضيافة والعلاقات الاجتماعية وأعراف الزواج وقيم العمل. هذه التغيرات التي تحصل ببطء ودون إثارة تمرّ على حياة الأسرة السعودية الحديثة فتغيّر بدورها أنماط التفكير والقناعات لدى الأجيال الجديدة. ومن هنا يأتي السؤال حول العوامل الأساسية المؤثرة في التغيير وآلية عملها في مجتمع يبدو محافظًا تحكمه أطر ثقافية تكاد تكون ثابتة.

إن عوامل التغيير مرتبطة بعناصر جوهرية أبرزها "التكيف" الذي يمثل آلية فكريّة قادرة على إحداث التغيير في الفرد وفي المجتمع على حد سواء. ولتوضيح دور التكيف يحسن عرض مفهومه في عدد من الحقول المعرفية المعنية بدراسة التغيرات الثقافية. فحينما يتطرق علم الأنثروبولوجيا والتحليل النفسي للرابطة الاجتماعية فإن التركيز يكون على مستوى التكيف بين عناصر الثقافة، ويأتي التكيف لعرض العلاقات الموجودة بين نظم السلوك المختلفة، وبين العناصر العاطفية والفكرية وكذلك الاقتصادية التي توحّد الناس فيما بينهم.

أما علم الاجتماع فيستعمل مفهوم "التكيّف" في سياق مختلف يتعلق بعلاقة الفرد والجماعة، وهو تعبير يكاد يكون غامضًا بسبب توزّعه على مجموعة مجالات متداخلة. فقد استخدم في فرنسا عام 1786بمعنى "جعل المرء يعيش في مجتمع"، ثم أخذ منذ عام 1836يعني "واقع توضيح العلاقات الاجتماعية بين الناس وتنميتها". وفيما بعد، أصبح مرادفًا لتعبير "المخالطة الاجتماعية" الذي يعني مجموع الاستعدادات التي تجعل المشاركة البشرية ممكنة.

ويلاحظ أن هذا التعبير يغطّي آلية اكتساب العلاقات ومايرتبط بها من التزامات تحكم الأدوار الاجتماعية. ويؤكد الباحث الاجتماعي الفرنسي "إميل دوركهايم" على أن "التكيّف يسمح بتثبيت أنواع السلوك والميول والأفكار وتعديلها أو استبعادها، من خلال ممارسة نوع من الإكراه الخارجي على الفرد". موضحًا في دروسه عن التربية الأخلاقية أن الكشف عن آليات التكيّف يمكن أن يزوّد المدرسين بالعناصر الضرورية لتعليم الطفل أسس الأخلاق، وجعله جديرًا بالتعلّق بالمجموعة الاجتماعية والإخلاص لها.

وفي علم النفس يدل تعبير "التكيف" على ترابط البعد الإنساني بين مراحل نمو النزعة الاجتماعية والنزعة الذاتية. ويرى "جان بياجيه" أن المجتمع هو نتاج التأثير الذي يمارسه جيل على جيل قادم، وهذا التأثير يحصل بفعل النقل والتكوين بواسطة التربية باعتبارها عملا خارجيًا يمارسه كبار السن على الشباب. هذا العمل يكيّف تدريجيًا الأفراد الشباب مع المجتمع، ويدمجهم في مجموعة اجتماعية متجانسة وهذا ما يجعلهم متضامنين مع تاريخ هذه المجموعة ومع أخلاقها. ويلاحظ أن نمو الطفل وتطوّره الذهني (من الذكاء الحسي المحرّك إلى الذكاء التمثيلي، ومن الذكاء التمثيلي إلى مستوى التفكير الملموس والفرضي الاستنباطي) يجعل نموه يعزز تكيفه مع الجماعة.

أما في علم الأنثروبولوجيا فقد استخدم مصطلح التكيف بشكل خاص عام 1939لدى إبرام كاردينر(Abram Kardiner)، بمعنى نقل الخصائص الثقافية النوعية باعتبارها اكتسابًا وتنمية للبنى الأساسية للسلوك التي بواسطتها يشكّل المرء شخصيته، فيتعلم الكلام، ويصبح واعيًا بالفروق بين مختلف نماذج العلاقات الاجتماعية وقادرًا على القيام بعلاقات أكثر تنوعًا. وتميز الباحثة مارغريت ميد (Margaret Mead) بين التكيف وبين التأقلم الثقافي، الذي يعني التعلم والتطبيق للثقافة ضمن سيرورة دمج الفرد في مجموعة جديدة، على اعتبار أن التأقلم مرحلة أولية تمثل الاستجابة التي يكره المرء عليها بسبب ظروف العيش مع المجموعة.

ويلاحظ في المقاربات السابقة أن التكيف يتضمن درجات زمنية محددة يتحول عبرها الشخص إلى عضو في مجتمع بشري خاص ضمن ثقافة نوعية خاصة، ويعقد علاقات فكرية وعاطفية، ويكتسب أنواعًا من السلوك الانفعالي، ويؤسس البنى الإدراكية، ويدرك التقنيات الجسدية، ويتمثل النماذج المثالية، ويكتسب اللغة التي تمثل الموضوع واللغة النحوية، ويميز المبادئ المعيارية، ويتعامل مع الإكراه الأخلاقي. وتتفق تلك التعريفات في أن ميدان التطبيق المباشر للتكيف هو ميدان أنطولوجيا الإدراك، حيث تنتظم مختلف مستويات الشخصية، وتتمحور مستويات استبطان البناءات المنطقية، فيقوم التكيف بتنظيم فهم التفاوتات الاجتماعية والثقافية دون إغفال التمايزات الذاتية.

هذا الغطاء النظري يفيد في وضع مظاهر الخطاب الثقافي السعودي في سياقها التاريخي والفكري ومعرفة مستوى التغير في بعض المظاهر والثبات في مظاهر أخرى.

8 تعليقات
تنويه: في حال وجود ملاحظة أو اعتراض على أي تعليق يرجى الضغط على (إبلاغ)

 


شكرا لك على هذه التغطية النظرية المهمة للتغيرات الثقافية التي تطرأ، ولكن ألا تحلاحظ معي أن التغيرات في السعودية تحصل بسرعة هائلة ربما تفوق غيرها من الدول العالمية او العربية المجاورة باستثناء دول الخليج العربي الذي يشترك مع السعودية في عدد من الخصائص الاجتماعية والاقتصادية؟
ولك تحياتي الطيبة


حسام علي
ابلاغ
10:59 صباحاً 2008/08/28

 


وانا كذلك اوافق حسام علي في رده على المقال.
وكذلك على حد قولك

" ويكتسب أنواعًا من السلوك الانفعالي، ويؤسس البنى الإدراكية "
فانا لا اكن معك في هذه المعلومه , حيث ان الشخص يكون عنده التركيبة الاساسيه اللي تميزه عن غيره في الصفات , دعنا نقول انها تكون صفه مكتسبه ولكن انا لا اتفق ان تكون صفه مكتسبة من المجتمعات اللي يخالطونها , ولك على سبيل المثال عندما يعيش اي فرد من في السعودية في منطقه ليست هي منطقته بالاصل.
وشكرا على مواضيعك اخي ناصر


aroof
ابلاغ
12:33 مساءً 2008/08/28

 


مقال جميل


أم زياد الرحيمي
ابلاغ
01:58 مساءً 2008/08/28

 


نتائج الهوية الجديدة تشرذم فكري حول القضايا المركزية والتناقض بين القول والسلوك والتراجع إلى الوراء بقصد التقدم للأمام بسبب "التكيف السلبي" بالتنازل عن المبادئ وتضييع الحقوق التي يتمتع بها الفرد، بترديد الشائعات مثل: حشر مع الناس عيد، كل الناس كذا، الموضة تغيرت، الزمن تغير، مثلي مثل غيري... وغيرها من مبررات.
أن الأعلام وسيلة ناقلة لأنماط التفكير والمعرفة والقيم والتنشئة الاجتماعية وبالتالي فهو يساهم في خلق جانب كبير من الثقافة الاجتماعية وعامل أساسي مؤثر في التغيير السلوك البشري...


همام العدوي
ابلاغ
02:00 مساءً 2008/08/28

 


واستبدال القيم الاجتماعية الأساسية التي تحكم تصورات الناس وسلوكهم قد تكون أثاره قصيرة الأمد أو طويلة الأمد، ظاهرة أو مستترة، قوية أو ضعيفة، ويمكن أن تؤثر في الآراء أو القيم ومستوى المعلومات والمهارات والذوق والسلوك فالخطاب الإعلامي يسد الفجوة بين الاتجاهات الفردية الخاصة والآداب العامة السائدة في المجتمع وخلق المثل الاجتماعي وذلك بتقديم النماذج في الأمور العامة والثقافة.
تحياتي لك،،


همام العدوي
ابلاغ
02:12 مساءً 2008/08/28

 


شكرا جزيلا على هذا الموضوع الدسم
وبصراحة كلامك يخالف قول القائلين بصعوبة التغير في المجتمع السعودي من حيث الفكر والتصورات..
وأتفق معك في هذه النقطة ان مقارنة سريعة فقط قبل عشر سنوات والآن سوف تكشف للجميع الفروق بين ذالك المجتمع وبين هذا المجتمع..
أعتقد فيه متغيرات كثيرة وأهمها ثورة الاتصالات العنيفة والضخمة التي غزت بيوت السعوديين وحياتهم وقلبت كل شيء في عقولهم وتصوراتهم..
نقاش ثري ومفيد
لك كل تقدير...


حمدان
ابلاغ
02:38 مساءً 2008/08/28

 


أشكرك على هذا العطاء
وموضوع المجتمع السعودي موضوع مربك لانه نتغير بسرعة تستعصي على الرصد والمتابعة..


ح التركي
ابلاغ
03:41 مساءً 2008/08/28

 


أتفق معك بأن التغيرات التي تحصل للسعوديين مذهلة ومدهشة في وقت واحد\ ولكن المراقب قد لايلحظها على المستوى الفكري\.
ان التغيرات تكاد تكون محصورة في التقنية وتطبيقاتها\، لكن اي تغير لابد ان يكون وراءه فكر وعقل.. وهذا يعني ان الاستنتاج يربط بين هذين الشيئين\، وبالتالي فان النتيجة هي وجود تغيير عقلي وفكري وبالتالي ثقافي عام\.
السؤال المهم هو كيف نضع يدينا على هذه الكيفيات من اجل الاستفادة منها في احداث تغييرات لازمة على مستوى الوعي والنظام\؟\.
ولك مني جزيل الشكر والثناء\


طارق الشمري
ابلاغ
09:33 مساءً 2008/08/28


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية