مشروعية ما أريد الحديث عنه اليوم تكمن في بساطته وإمكانية تنفيذه، ومن يعلم فقد أنجح في إثارة اهتمام الآخرين، مع أن الراحة لا يمكن نوالها إلا من خلال جسر من المتاعب وما لم نعمل للشيء لن نصل إليه.. ولا إلى شيء آخر.
أطمع من المسؤولين عن النشر والإعلام، والأمن أيضاً، أن يفكروا في إصدار نشرة أسبوعية عما مر على الدوائر الأمنية من الأساليب (المعاصرة) للنصب والاحتيال، وتكون هذه النشرة في متناول القارئ ليطلع ويقارن ويستنتج، خصوصاً وأن أغلبية هذا المجتمع جبلوا ولله الحمد على حب الخير وتقديمه لكائن من كان، غير عابئين بالوسائل المبتكرة التي دأب ضعاف النفوس على استعمالها للحصول على المال بتلك الوسائل الدنيئة، وإن كان إصدار النشرة غير ممكن في بادئ الأمر فعلى الأقل تخصيص صفحة في أحد إصدارتنا اليومية ليكتب فيه خبراء الأمن ومسؤولوه عن كل ما استُجد على الساحة الوطنية من وسائل ابتزاز ونصب يكون ضحيتها أصحاب النفوس الطيبة، ومن تخدعهم المظاهر بسهولة.
الذي دفعني إلى تبني هذه الفكرة في هذه الزاوية هو هذه القصة:-
رنّ جرس الهاتف في منزل صديق لي، وعلى الطرف الثاني كان شخص يدعي أنه أحد أصدقاء قريب له، وأن سيارته قد تعطلت نتيجة حادث بينما كان يمر بالرياض قادماً من الدمام وفي طريقه إلى المنطقة الغربية، وذكر هذا المتحدث الاسم الكامل لقريب صاحبي، وأنه اتصل به عدة مرات دون جدوى من أجل مساعدته على إصلاح سيارته ليتمكن من مواصلة سفره، ضرب الاثنان موعداً ليلتقيا أمام أحد الأسواق المركزية، وعندما التقيا كان الغريب يضع ما يشبه الرباط على يده اليسرى (تمويهاً بأنه نتيجة حادث).
قال الغريب إن سيارته قد جرى سحبها إلى الورشة وأن تصليحها قد يصل إلى ثلاثة آلاف ريال، فأعطاه صاحبي المبلغ بعدما أخذ اسمه ورقم هاتفه وتمنى له سفراً سعيداً، ووعده الغريب بأن يحول له المبلغ خلال يومين.
بعد مرور أسبوعين اتصل صاحبي بالرقم الذي أعطاه الغريب إياه، وعلم من المتحدث عدم وجود شخص بهذا الاسم، فعلم - بعد فوات الأوان - أنه وقع ضحية محتال، خصوصاً بعدما علم من قريبه أنه لا يعرف شخصاً بهذا الاسم.
وبعد مرور فترة من الزمن كان صاحبي يجلس في ردهة أحد فنادق مدينة جدة فاقترب منه شخص تأكد من ملامحه أنه ذلك الغريب الذي نصب عليه في الرياض، وقال له الغريب إنه من أحد بلدان الخليج - وأجاد التحدث بلهجة خليجية - وأنه فقد نقوده، وهو الآن يحاول أن يحصل على ما يسدد به تكلفة سفره وإقامته السابقة في جدة، ومن غباء ذلك المحتال أنه لم يتعرف على ضحيته السابقة، فالتفت إليه صاحبي ومحّص في تقاطيع وجهه التي أُجري عليها بعض التعديلات (غيّر لحيته قليلاً، وغيّر لبس العقال) وقال له:-
ألم نتقابل في الرياض قبل مدة؟
فما كان من الغريب إلا أن التفت يمنة ويسرة قائلاً: "عن إذنك" ثم لاذ بالفرار.
لائمتي لصاحبي أنه لم يستدع الشرطة في حينه ويدعي عليه أمام الشرطة علهم يجدون قضايا أو شكاوى مشابهة، ومن ثمَّ يُعرض هذا المحتال على ضحاياه السابقين. ولكن صاحبي آثر الصمت لأنه لا يملك أي دليل مادي ضد الشخص ومن الصعب إثبات الادعاء عليه، مع أنني أرى أن الصواب مجانب لهذا الرأي.
غرابة هذه القصة وطرافتها في خروجهما عن المألوف وأرجو ألا يكون ذلك المحتال لا يزال يمارس نشاطه.
وأعود إلى إصراري على وجوب فضح أساليب النصب وكشفها ليكون الجمهور عيناً للحكومة كما أرادت له أن يكون.