بحث



الثلاثاء 25 شعبان 1429هـ - 26 اغسطس 2008م - العدد 14673

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


في معنى الوحدة

محمد محفوظ
    من خلال العديد من التجارب العربية والأجنبية، نرى أن استخدام القوة والقسر والعسف والفرض، لا يؤدي إلى الوحدة الحقيقية بين الشعب الواحد أوالشعوب المختلفة.

وذلك لأن استخدام القوة لا يفضي في هذا الإطار، إلا إلى المزيد من اكتناز المشروع الذاتي أو الخاص، ويتحين أصحابه الفرصة السانحة لإنهاء الوحدة المفروضة بقوة الحديد والنار.

فالقوة التي استخدمت لإنجاز الوحدة بين شعوب الاتحاد السوفيتي السابق، لم تنه الطموحات الذاتية لدى الشعوب، التي استغلت ونهبت ثرواتها وخيراتها تحت يافطة الوحدة بين شعوب الاتحاد .

وإنما جعلتها كامنة ومضمرة، ومع الزمن والقسوة التي استخدمت من قبل أجهزة السلطة السوفيتية، تبلورت ونضجت وانتظرت الفرصة المؤاتية للخروج من هذا القيد والأسر.

فالوحدة بين الوجودات الاجتماعية والكيانات البشرية، لا يمكن أن تنجز بالفرض والقوة، وأي وحدة تنجز بهذا السبيل، فإن مآلها الأخير هو الفشل والتشظي والهروب من كل الأشكال الوحدوية، والارتماء في أحضان المشروعات الذاتية الضيقة، كوسيلة من وسائل الدفاع عن الذات، لتقليل بعض أخطار الوحدة التي فرضت بالقسر والقسوة.

وذلك لأن الوحدات الاجتماعية، التي تفرض بقوة الحديد والنار، تقضي باستخدامها القوة، على كل القيم والمبادئ الضامنة لمشروع التوحيد والوحدة، والحافظة على الأخلاقية المطلوبة في هذا الإطار.

فالقوة والعسف من وسائل الافتراق بين البشر والكيانات الإنسانية، واستخدامها من أجل التوحيد والجمع، لا يؤدي إلا إلى المزيد من التفتت والتشرذم والتشظي.

لأنها تزيد النفوس ابتعادا عن بعضها، وتنفر العقول من البحث عن المشترك ووسائل التعايش والوحدة، وتهيئ الأوضاع والظروف للهروب من كل مقتضيات الوحدة ومتطلباتها الإستراتيجية.

فالتجارب الإنسانية جميعها، تقف بقوة ضد كل المشروعات الوحدوية التي تبنى بالقسر والعسف والإرهاب، لأن مردوداتها السلبية والعكسية خطيرة، وآثارها البعيدة، تزيد من عوامل التفتت والاحتماء بالمشروعات الضيقة، التي تزيد الناس انغلاقا وتعصبا وبعدا عن أخلاق الوحدة وثقافة التعايش والمشترك الإنساني.

والسؤال الذي يبرز في هذا الصدد هو: من أين تبدأ الوحدة سواء بين الشعب الواحد أو الشعوب المختلفة.

فهل تبدأ الوحدة بإقصاء كل حالات التنوع والتعدد الطبيعية والتاريخية المتوفرة في الساحة، لصالح صيغة وحدوية قائمة على نمط رتيب من التوحد السياسي والثقافي والاجتماعي، لا ترى من الضروري أو من مقتضيات الوحدة، العناية بتلك التنوعات وأشكال التعدد الطبيعية.

فهل طريق الوحدة المطلوبة يمر عبر القفز على تلك الحالات والحقائق، وتجاهلها في إستراتيجية العمل الوحدوي. واعتبار أن تلك الحالات والحقائق، هي وليدة عصور التخلف والانحطاط ومرحلة ما قبل الدولة الحديثة.

وبالتالي تتحقق ضرورة ومشروعية محاربة وإقصاء تلك الحقائق من الوجود، تحت يافطة ومبرر أنها جزء لا يتجزأ من آليات التخلف ومرحلة ما قبل الدولة الحديثة بتشظياتها العديدة.

إن التاريخ العربي الحديث، يؤكد لنا أن العديد من المدارس الفكرية والسياسية التي جعلت من الوحدة العربية محور عملها ونشاطها، نظرت إلى تلك الحقائق، وفق منظور أن الوحدة تعني التوحد القسري القائم على نفي كل أشكال التعدد الطبيعية والتاريخية المتوفرة في المجتمعات العربية.

لذلك فقد استخدمت هذه المدارس كل ترسانتها وإمكاناتها النظرية والعملية، في سبيل محاربة تلك الحقائق وإقصائها من الفضاء الاجتماعي والسياسي العربي..

ولكن وبعد تطورات عديدة شهدها العالم، والعالم العربي بالخصوص، نجد أن كل الوسائل والأساليب المستخدمة من قبل تلك المدرس لتذويب هذه الحقائق ونفيها من الخريطة العربية، باءت بالفشل والإخفاق، ولم تستطع هذه المدارس أن تحقق مفهومها للوحدة القائم على القسر والنفي، بل أوجدت أثرا عكسيا في الواقع العربي، حيث ازدادت الكيانات الصغيرة التي تعمل على الحفاظ على هويتها الخاصة وعوامل تميزها أو اختلافها التاريخي أو الطبيعي.

وبهذا نستطيع القول: بأن الوحدة العربية، لا تبدأ من إقصاء الحقائق الطبيعية والتاريخية، واستخدام القوة في مشروعات وحدوية قسرية.

فمن أين تبدأ الوحدة بين الشعوب العربية؟

في تقديرنا أن الوحدة بين الشعوب العربية، هو الخيار الحضاري لنا نحن العرب. ولكن هذه الوحدة لا تنجز عبر التوحد القسري والقفز على حقائق العصر والراهن، وإقصاء وقائعهما.

فالوحدة بين الشعوب العربية، لا تعني التطابق التام في وجهات النظر ومشروعات العمل أو أولوياته أو في طرق التفكير والتخطيط.

وإنما تعني ابتداءً احترام الحقائق والوقائع التاريخية والطبيعية، والعمل بشكل وحدوي على ضوء تلك الحقائق والوقائع.

وتاريخيا لم تكن الوحدة التي صنعها العرب والمسلمون، تعني التوحد القسري أو التطابق التام في كل شيء، وإنما العرب والمسلمون صنعوا وحدة قائمة على احترام حقائق التاريخ والمجتمع، لأنها حقائق طبيعية ومثرية لمشروع الوحدة، ومتناغمة مع نواميس الوجود الإنساني.

فالوحدة بين الشعوب العربية، تبدأ باحترام حقائق التنوع والتعدد، لأنها ليست حالات أو وقائع مضادة للمنظور الوحدوي .بل هي عناصر تثري مفهوم الوحدة العربية، وتزيد مضمونه حيوية وفاعلية.

وفي المقابل ومن خلال تجارب العديد من النخب السياسية العربية، فإن إقصاء هذه الحقائق لا يوصلنا إلى الوحدة العربية، بل بالعكس يفرغها من مضمونها الاستراتيجي والحضاري، ويجعلها وبالا حقيقيا على العالم العربي بأسره.

من هنا لابد من القول: إن النواة الأولى لتحقيق مشروع الوحدة العربية، هي إشاعة جميع القيم والمبادئ الإنسانية والحضارية، وفسح المجال لجميع المؤسسات والأطر، التي تأخذ على عاتقها نشر قيم احترام التعدد والتنوع، ونسبية الحقيقة والتسامح.

لأنه في مثل هذه الأجواء، تتبلور قيم الوحدة الحقيقية وسبلها الحضارية. وبدون هذا العمل سيبقى شعار الوحدة العربية شعارا أجوف، يثير خوف الآخرين ويزيد من هواجسهم الأمنية والسياسية، ولكن بدون أن يتحول هذا الشعار إلى حقائق ووقائع تملأ كل أوطان العرب وبلدانهم.

فالوحدة العربية، تتطلب من كل مواطن عربي، أن يبدأ من واقعه ومحيطه في غرس حقائق الوحدة ووقائع الاتحاد، حتى تنمو هذه الحقائق، وتزداد هذه الوقائع، حتى نصل إلى مستوى أن تكون الوحدة حقيقة فعلية قائمة، وليست شعارا يتغنى به الإنسان ويحلم به، دون أن يكون له نصيب من وقائع العرب وحقائق عصرهم الراهن.

إن الوحدة العربية من المشروعات التي تتطلب بنية تحتية قوية، وينبغي أن يشارك كل مواطن عربي بجهد في سبيل توفير البنية التحتية لمشروع الوحدة العربية.

فالوحدة تبدأ من كل إنسان عربي، يعمل على طرد كل العوامل المضادة لهذا المشروع من واقعه ومحيطه. ولكن دون الاكتفاء بالصراخ والعويل، وإنما يعمل ويسعى إلى خلق حقائق الوحدة في محيطه الاجتماعي.

فحقائق الوحدة الصغيرة والبسيطة، هي طريقنا إلى إنجاز الوحدة الكبرى.

5 تعليقات
تنويه: في حال وجود ملاحظة أو اعتراض على أي تعليق يرجى الضغط على (إبلاغ)

 


حسناً الوحده الصغيره لم تطبق من قبل العرب وستطول المده بهم حتى يطبقو الوحده الكبيره


أم زياد الرحيمي
ابلاغ
09:30 صباحاً 2008/08/26

 


على مر التاريخ، لم ينجح سوى رابط واحد في توحيد العرب، هو رابط الاسلام، و لم ينجح سوى رجل واحد في لم شعث العرب في دولة واحدة، هو محمد صلى الله عليه و سلم ( وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين * وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم )
الوحدة هي باختصار : رب واحد و امة واحدة ( إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون )
.
نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، و مهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله.


متفائل
ابلاغ
12:59 مساءً 2008/08/26

 


يأخي الكريم ان الوحدة لا تاتي الا بالقوه فهي مسالة رياديه ولك ان تنظر في التاريخ فالوحدة الاسلاميه تفككت مع ضعف القوه والوحدة الامريكيه سبقها حروب كما في جزيرتنا العربيه فالموحد الملك عبدالعزيز رحمه الله خاض الحروب لتوحيد هذا الكيان لماذا ننظر ونحن نقراء التاريخ ونشاهد نتاجه فالوحدة بالقوه واليست بالتطوع ولكن بالامكان الاتحاد على مصالح معينه يستفيد منها كلا الطرفين من هنا ندخل المعاهدات وليست الوحده


ولد الحميد
ابلاغ
01:14 مساءً 2008/08/26

 


ماتطالب فيه اخ محمد ليست طرقهاً معبَّدة و ميسَّرة بل تجد أمامها طرقاً مليئة بالمصاعب والأشواك فعندما ننظر لواقع العالم العربي فأنه لايوجد فيه أي من مقومات الوحده التي كانت حلم وهمي لكل عربي وبالواقع يتلاشى هذا الحلم تماما فالوحدة بين الشعوب العربية ليس هو الخيار الحضاري لنا نحن العرب ايها الكاتب لأننا نرى الواقع تفرق وتشرذم يحيط بنا من حدود تكسوها الاسلاك الشائكه ونقاط التفتيش والحرس الجلاوز وسلوكيات موظفي مطارات العرب التي تفرق ولا تجمع واقتصاديات هشه لاوزن لها


يزيد الدغيثر
ابلاغ
01:32 مساءً 2008/08/26

 


فيما سبق علقت على مقالة سابقة ولم يرى النور تعليقي وحوارك لقناة الحرة يكشف مدى تبريرك للانتماء لإيران عقائديا وتطالب باعتراف رسمي وحضور للعلماء الشيعة علما أن الدول الأخرى لا توفر تلك المضلة العقائدية للأقليات وتمارس ضدهم أبشع أنواع الاضطهاد ولدينا الأقليات يعيشون بأمن وأمان ما لم يتجاوز انتمائهم للخارج.


سليمان الصقعبي
ابلاغ
07:05 مساءً 2008/08/26


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية