سافرتُ مؤخرًا بصحبة أحد الأصدقاء الأمريكان إلى حائل، وكان حريصًا على الاطلاع على المعالم الأثرية والتاريخية في تلك المنطقة. كانت صورة حائل زاهية في ذهنه ليس بسبب حديثي عنها فحسب، وإنما بسبب قراءته لما كتبه الرحالة القدماء عن تلك المنطقة منذ القرن السابع عشر الميلادي، ومنهم الإنجليزية الليدي آن بلنت (Lady Anne Blunt). وماكتبه الباحثون أمثال الأمريكي وليمسون (J. Williamson) الذي كانت أطروحته للدكتوراه من جامعة إنديانا عن حائل وأهلها، ولعل آخرهم الهولندي كوربرشوك (M. Kurpershoek) الذي عاش فترة في حائل متنقلا بين قراها وقبائلها وألف فصولا عن حائل ضمن كتابه "البدوي الأخير".
وقد لفت انتباهه منظر جبال حائل من حيث تركيبها ومظهرها وامتدادها ولونها الأحمر الغامق الذي يبعث على الأنس والاندهاش معًا.
وقد استغرق في دوامة من الانشداه لمناظر الجبال المحيطة بحائل نحو الغرب والجنوب، ورغم أنه قرأ عن "عقدة" وجبالها في أوصاف الرحالة، إلا أنه لم يخطر بباله أن يرى بعينه مثل هذا الجمال المبهر وخاصة أنه طاف عددًا كبيرًا من بلاد العالم ورأى عددًا هائلا من الجبال والصخور. وكان في البداية يريد أن يحتفظ بصورة لكل صخرة ظنًا منه أنها تمثل تشكيلات نادرة ومحدودة، ولكنه اكتشف أن هذه سمة لمعظم الجبال هناك.
كنا نتجول حول المناطق الجبلية وهو يطلب مني أن نقترب من الجبل قدر المستطاع. كان يتفحص كل صخرة شارحًا مميزات كل جبل وكيف تكوّن من براكين موغلة في القدم. وحينما اتجهنا جنوب حائل كانت الجبال تبرز بجوار الطريق المعبّد وكأنها لوحات فنية في غاية الجمال والبهاء. ويتمنى المرء في تلك اللحظات لو تتاح الفرصة للجميع للاستمتاع بهذه المناظر وقضاء وقت جميل في تلك الربوع المزيّنة بالأناقة الساحرة.
والواقع أن جمال تلك الجبال قد لايكون ملاحظًا لسكان المنطقة ممن ألفوا رؤية تلك الجبال كل يوم وعرفوها منذ طفولتهم، فنشأوا متآلفين مع تلك المناظر فصارت تمثل لهم أشكالا عادية. ولكن الابتعاد عن تلك الجبال فترة طويلة من الزمن والتعرّض لخبرات مختلفة وتجارب متنوعة والاطلاع على مناظر كثيرة قد يعطي الشخص مجالا لكي يرى تلك الجبال من جديد بصورة مختلفة عما اعتاد على رؤيته.
والحقيقة أن منطقة حائل تعيش انتعاشًا سياحيًا لفت انتباه العالم إليها. وقد أحسن المسؤولون فيها استثمار مكونات الطبيعة فيها كالنفود ضمن المهرجانات العالمية السنوية مثل "رالي حائل" و"مهرجان الصحراء". ومن الجميل أن تُستثمر كذلك الجبال والمناطق المحيطة بها في إقامة رياضة تسلق الجبال المعروفة ب mountaineering وmountain/rock و climbing/hiking. وهي رياضة شائعة في الغرب ولها بروتوكولات معروفة بين محبي هذه الرياضة. ومن المتوقع أن تكون جبال حائل مثالية لهذه الرياضة، فهي مليئة بالتعرّجات والصخور مختلفة الأحجام، هذا إلى جانب أن الجبال كثيرًا ماتقع حول منطقة سهلة منبسطة مما يجعل إمكانية وضع مخيمات في تلك الأماكن أمرًا ميسرًا ومناسبًا.
ومن أجل دعم هذه الرياضة، يمكن الاستعانة بالجمعيات العالمية المحترفة المتخصصة في التدريب والمساعدة وحماية عشاق الجبال بحيث تزودهم بالمعدّات اللازمة لتسلق الصخور العالية والجبال، وكذلك تؤمّن لهم خرائط للمنطقة الجبلية حتى يكونوا دائمًا على دراية بمكانهم أثناء الرحلة. وحتى تكون هذه الرياضة ميسّرة، فيمكن أن توجد مخيمات موزّعة بشكل منظّم حول المناطق الجبلية حتى توفّر المساعدة الطبية والفنية اللازمة وقت تواجد الرياضيين والسياح وعشاق الطبيعة. كما يمكن استثمار المنطقة الجبلية بتزويدها بالأماكن الترفيهية والمطاعم والأنوار المضيئة والشلالات وغير ذلك مما يمكن أن يجد فيه الزوّار شيئًا مثيرًا ومسليًا للباحثين عن جمال الطبيعة والمفتونين بخيراتها.