طوال أسبوع مضى، تجلى مشهد للتطرف الإسلامي في السعودية ينذر بخطر يحدق بالبلاد، إذ أن فئات فكرية وحركية من المتطرفين احتفلت إلكترونياً بخروج الرئيس الباكستاني برويز مشرف من الحكم، ظناً أن خصماً كبيراً لتنظيم "القاعدة" قد انزاح عن ساحة المعركة.
حقاً، لا أعلم ما الذي فعله الرئيس المستقيل بهذه الفئة من الإسلاميين؟ زعيم دولة لم يؤذهم في عيشهم ولا في سياستهم ولا في اقتصادهم، فلماذا الاحتفال والفرح؟
المسألة باختصار، أن الرئيس الشجاع، الذي اختار الاستقالة بلا مكابرة، لا يجمعهم معه همّ سوى الاختصام عند أفكار "القاعدة" ومشروعاتها، ولذا كان همّاً، ومن هنا كان الفرح سبباً.
وأستند في وصفه بالشجاعة على ما قاله من كلمات أخيرة سبقت إعلان الاستقالة، إذ قال: "بعد دراسة الوضع، واستشارة المستشارين القانونيين والحلفاء السياسيين وبعد نصيحتهم، قررت الاستقالة". هذا تصرف لا يفهمه كثير من القادة، فلقد وجد في استمراره على سدة الحكم تعريضاً لبلاده للكثير من المصاعب. وأيضاً، هو تصرف لا يفهمه قادة "القاعدة"، الذين أساؤوا الى الإسلام أكثر من رسام كاريكاتير دنماركي أو منتج فيلم هولندي.
والذين فرحوا بخروج مشرف لم يأبهوا بالنمو الاقتصادي لباكستان خلال فترة حكمه، ولا بمكافحته للفساد الإداري، أقول ذلك وأنا الرافض لكل حكم يتولاه عسكري أو رجل دين. لكن هؤلاء انصب تفكيرهم على كونه أحد أهم خصوم "القاعدة"، وإلا ما الذي يثيرهم ضده؟
باكستان في عهد مشرف لاحقت "القاعدة"، وكذلك تفعل السعودية منذ عقدين، فهل هو موقف المتطرفين في السعودية من سياسة البلدين؟
أريد إجابة لم أجدها في متابعتي لردود فعل إسلامية محلية وغير محلية، وما يعنيني هنا هو التعاطي الداخلي مع حالة باكستان ومشرف، في وقت كان الاعتقاد السائد أن عدة تيارات فكرية داخل البلاد قد اهتدت وعادت إلى رشدها، وهو ما يكشف زيفاً عند الشدائد والمواقف الخارجية أكثر من المحلية.
لعلنا بين فترة وأخرى نقرأ بيانات مزنرة لا تورث سوى الشقاء والقهر. بيانات لا حدود لها ولا أوطان، كأسراب الطيور دائمة الارتحال، وبانتظام، تارة تحكي عن العراق، وتارة تذهب إلى لبنان، وليس الجامع بينها سوى الاقتراب والالتقاء مع أفكار تنتهي عند مصالح "القاعدة".
هنا، هل دوري ينحصر في تحريض السلطات على هذه الفئات؟ ربما هذا التفسير الذي سيسعون إلى تمريره لكن، قبل ذلك، ما دواعي الفرح بخروج أشجع من واجه "القاعدة" في بلاده؟ وهل هناك مشاعر مشابهة مازالت مدفونة تجاه محاربة التنظيم محلياً؟.