زمن الشاه في إيران عشنا حرباً باردة لم يطفئها إلا نزاع القوتين العظميين، وفي إيران الإسلامية نعيش نزاعاً بأدوات مختلفة حيث جاء إطلاق بالونات الاختبار إيرانياً، في غالب الأوقات، مع أن الضرورات تفترض التصرف الأكثر حكمةً وعقلانية، وأنه ليس من المنطقي، أن تكون التصريحات النارية تجاه دول الخليج بعدم شرعية وجودها، وفتح معركة مع مصر في فيلم عن الرئيس السادات، ثم عدم الاعتراف بطرح موضوع الجزر الإماراتية، وتجاهلها في فتح مكاتب بها، وكل هذا يقع تحت مظلة مبررات محاربة الامبريالية الأمريكية، والصهيونية، وكأن هذه الدول جزء من الولايات المتحدة الأمريكية..
الأستاذ عبدالرحمن العطية أمين عام مجلس التعاون رد بما يتوافق والتصريحات الإيرانية، وهو في الموقع الذي يجعل مسؤوليته أن يواجه الموقف بنفس ما تفكر به دول المجلس، وتجده متباعداً عن أهدافها ونواياها تجاه إيران، وحتى لا نصل إلى نقطة اللاعودة عندما تتوالى الاتهامات لإيران بدعمها لعناصر متطرفة في الخليج واليمن، وإيواء عناصر تابعة للقاعدة، فكل هذه الأمور يمكن احتواؤها بمنطق المصالح، لا نزعة التهديد وتوزيع الأدوار، خاصة وأن تجارب المنطقة بدءاً من الخمسينيات والستينيات وحتى النهايات غير السعيدة لصدام حسين وحروبه وتعدياته، ظلت مدمرة..
فأمريكا، التي تجعلها إيران هدفاً للهجوم على دول المجلس، أو من يتعامل معها من الدول العربية، والتهديد بمسح إسرائيل، وضرب القواعد الأجنبية في الخليج، قد تكون موضوعات تخص إيران لكن أمريكا تبقى حليفاً لهذه الدول، مثلما كانت مع شاه إيران، وإذا كان المتغير رفع شعارات تقليدية بتحرير فلسطين، ومحاربة الامبريالية والعدو الصهيوني، فقد لا يكون على حساب دول تجاور إيران، وليست بالموقف الضعيف أن لا تدافع عن حقوقها، أو استقلالها تحت تلك الذرائع..
فإذا كانت الأهداف لا تستعار ، وأن العلاقات تُبنى على منطق الأمن والمصالح، فإن أول من بادر برفض العزلة على إيران، أو ضرب قواعدها العسكرية ومفاعلاتها النووية، هي هذه الدول، وحتى بافتراض أن حدثت الكارثة بمثل هذه الضربات، فقد تكون إيران الأكثر تضرراً من دول محيطها الجغرافي..
ومثلما كان التناقض بالتصريحات تجاه صداقة إسرائيل والشعب الأمريكي، من قبل مسؤولين إيرانيين لا يزالون يحتلون مناصبهم، فالحليفان الأمريكي - الإسرائيلي، ليسا على نفس السذاجة التي تغريهما مثل تلك التصريحات طالما فرص حل المشكلات العسكرية والجغرافية بما فيها الحلقة المتفجرة بالعراق يمكن حلها بالطرق الدبلوماسية..
وحتى نعيش جواراً بعيداً عن التشنجات والمزايدات، علينا أن ندرك أن "لعبة الأمم" قائمة كغاية ووسيلة، ومثلما أُسقط الاتحاد السوفياتي برموزه وقواه عندما جعل الأيدلوجيا وتصديرها، والاتجاه إلى عسكرة الفضاء والبحار والأرض على حساب رفاه شعبه، ومن خلال حلم الأيدلوجيا، فالموقف يجب أن لا يجعلنا حالة مستنسخة نعيد سيرة تاريخ بلا قواعد عاقلة..
إيران دولة جارة، ومن المفترض أن تكون مع العرب، وتركيا، وباكستان كتلة إسلامية كبرى اقتصادية وأمنية، وبعَقءد لا يتناقض وتجارب شعوب بعيدة عن مضمون يجمعها، بينما العكس هو الصحيح في الجامع الجغرافي، والإسلامي، والتاريخي الذي يجعل مثل هذه الأهداف هو الأقرب إلى خلق نسيج تعاون مشترك، بدلاً من إثارة الزوابع والعواصف..