د. عبدالرحمن الشلاش
ما أن يؤذن العام المتفق عليه بين سعادة المستأجر والمالك بالرحيل إلا ويطرأ الكثير من المستجدات والتحولات فعلاقة السمن بالعسل والتي ظلت الرابط القوي بينهما تبدأ بالانطفاء ومن ثم الأفول التدريجي لتنهي فصلاً جميلاً من العلاقات الحميمة لن يقدر لها أن تعود مرة أخرى إلا بإبراز المزيد من الوريقات الزرقاء التي تبث الطمأنينة في نفس المالك المتطلع دائما للعرض الأفضل بغض النظر عن كل السمات والصفات والسجايا التي يتمتع بها المستأجر المغلوب على أمره والتي لم يعد لها في نظر هذا المالك الجشع أي اعتبار وليس أمامه سوى رفع الشعار الذي لا مناص منه (إما الزيادة.. أو الرحيل).
يعني يا مستأجر يا كريم (بحبحها) حبتين.. وادفع زيادة ألفين قبل أن ترى (عفشك) مهرولا به أمامك.. وعندها لا بكاء ينفع ولا شكوى تفيد.
قبل أشهر قليلة من انتهاء (عقد الإيجار) يبدأ المالك بتنفيذ خطة محكمة كي يقنع المستأجر بالبقاء مع الزيادة.. أو الرحيل غير مأسوف عليه.. وتتضمن الخطة شرح مزايا السكن.. وتوافر الخدمات.. والجيران (الذوق).. ومواقف السيارات المتاحة.. ويستتبع سرد تلك المزايا الفائقة التذكير بأن قيمة الإيجار زهيدة ولو كان المستأجر شخصا آخر لكان فيه كلام ثاني.. ومثلك عارف.. وبعدين الدولار سعره انخفض.. والبترول سعره ارتفع.. والاقتصاد العالمي.. وغلاء الأسعار.. وكل هذه الأمور التي ستتوقف على الزيادة المنتظرة والتي ستحل كل المشكلات بما فيها (الاحتباس الحراري).. وأنفلونزا الطيور.. والجفاف ونقص المياه.. والغبار.. الخ.
المستأجر والذي ظل طيلة الفترة التي سبقت حلول موعد الإيجار الجديد (يدق اللطمة) ويبحث عن المخارج الخلفية بغية الفكاك من المالك المتربص لن يجد بداً من التراجع عن تلك الإجراءات الانهزامية المكشوفة والتي لا تليق برجل (يملأ هدومه) وما عليه سوى الدخول في مفاوضات طويلة مع المالك لعل وعسى . المستأجر سيذكّر المالك القابع في الدور الأرضي من السكن بأنه كان مثالا في الأخلاق وحسن السيرة والسلوك.. والرقي في التعامل.. وأن أطفاله لم يشكلوا يوما أي مصدر إزعاج.. ولم يحدثوا أي تخريب.. علاوة على احترامه الشديد لجاره.. ومحافظته على شعوره.. وإزاء هذا العرض (التوسّلي)لا ينبس المالك (ببنت شفة) واضعا في أذن طينة وفي الأخرى عجينة ومكتفيا بهز رأسه موافقة على سجايا المستأجر المعلنة آنفا.. ورفضا مبطنا لأية محاولات جادة لثنيه عن قراره الشجاع.
وفي إطار المحاولات اليائسة التي يقوم بها المستأجر لتحاشي الزيادة المحتملة والتي هبت رياحها قوية عاتية على بقية المستأجرين يلقي بآخر أوراقه عندما ينتدب (مدامه المصون) للقيام بزيارة ودية لمدام حضرة المالك لتتجاذب معها أطراف الحديث والتي لا تخلو من التلميح بين الفينة والأخرى إلى موضوع الزيادة وإمكانية الإقلال قدر الامكان من الإضرار مع اجترار شيء من الذكريات الجميلة.. وجلسات الضحى.. ودعوات الغداء والعشاء.
مدام المستأجر تفاجأ بأن الطينة والعجينة قد انتقلتا بأمر من المالك إلى أذني زوجته المصون.. والتي طالبت بالخوض في أي موضوع عدا موضوع الزيادة.
المستأجر وجد نفسه وقد أقفلت جميع الأبواب أمامه.. وما عليه سوى الرضوخ لقرار الزيادة.. أو الرحيل.