اجتماعاتهم واجتماعاتنا ..
كأيّ موظف حكومي حضرتُ على مدى عقدين من العمل اجتماعات لا عدّ لها وشاركت في لجان وورش عمل وقد كانت معظم تلك الاجتماعات تسير بذات الوتيرة وعلى نهجٍ قد يكون متشابهاً ماعدا سلسلة اجتماعات طويلة لمهمّة واحدة وهي وضع مواصفات تفصيلية لمشروع كبير تقوم بتنفيذه شركة يابانية، وأكثر ما لفت انتباهي ومن ثم غيظي من الجانب الياباني هو قيام البعض منهم بتغميض أعينهم خصوصاً حينما يحمى الوطيس حتى ليظن الرائي أنهم يغطّون في سُباتٍ عميق ولكنهم في الحقيقة بكامل يقظتهم وتركيزهم، وقد عرفت لاحقاً أنهم إنما يُمارسون تأملات عميقة لزيادة التركيز حتى يستطيعوا تقديم إجابات دقيقة أو اتخاذ قرارات صائبة..
يرى توماس روهلن "أن المديرين اليابانيين يميلون إلى التعمّق في الوقوف على الوقائع، فالبعض منهم يُمارسون تأملات (زن) بغية تنقية أذهانهم بحيث يستطيعون القيام بتلك المراجعات بصفاء وتعمّق. (فن الإدارة اليابانية ،دار الحمراء 1990)"
والعرب كغيرهم من الشعوب يجتمعون ويتحاورون ويتخذون القرارات المصيرية إلاّ أنهم في اعتقادي يتميزون بأنماط سلوكية في اجتماعاتهم قد لا توجد عند غيرهم من الشعوب فالبعض منهم نعم يغمض عينيه أثناء اجتماع أو مؤتمر مهم ولكن ليس من أجل التأمل والتركيز إنّما لأخذ غفوة قد تطول لا يقطعها سوى (دويّ) التصفيق، والبعض الآخر يحضر الاجتماع من أجل إفساد الموضوع لأنه لا يتماشى مع توجهاته ورغباته والبعض حضوره كعدمه لا يهشّ ولا ينشّ مبدؤه (معاهم معاهم، عليهم عليهم) هذا غير الذي يحضر من أجل المعارضة فقط وهو الذي لا يعجبه العجب كما يُقال، بجانب فئة الجادين الذين يحضرون وقد جهّزوا جيداً لموضوع الاجتماع فتراهم يُناقِشون بعقلانية ويعرضون أفكارهم بكل وضوح، يختارون مفرداتهم بكل عناية ويحترمون آراء الآخرين أولئك هم الفاعلون أصحاب المبادئ النبيلة.
أعود إلى اجتماعات اليابانيين حيث الأخلاقية الظرفية التي ينتهجونها كما في كتاب فن الإدارة اليابانية تسمح لهم بالإفصاح عن آراء مختلفة دون الوقوع في صدام الشخصيات فهم يناقشون المواضيع بعمق ولكن بعد عرض جميع وجهات النظر ويكونون على استعداد لترك القرار لرأي الأكثرية.