د. فايز بن عبد الله الشهري
هل سألت نفسك يوما "هل أعيش وأتعايش في حياتي ومع من حولي وفق مجموعة من المبادئ والقناعات التي تشكل في مجموعها ما يمكن تسميته "فلسفتي في الحياة"؟ عفوا قبل هذا التساؤل... ما هي فلسفتك (رؤيتك) في الحياة؟ لا داعي للإجابة فالاختبار البسيط لهذه الجدلية تأتي نتيجته فقط عند من يمارسون رياضة (محاسبة الضمير) قبل الخلود للنوم وهم يتساءلون عن الأطر والحدود التي تجاوزوها في يومهم الماضي؟ من أجل هؤلاء يأتي سؤال قديم قدم النفس المطمئنة يقول : هل راجعت ما يستحق المراجعة لتكون نشاطاتك وسلوكك في غدك أكثر جدوى وايجابية لك لمن حولك؟ ترى هل كانت مجموعة مبادئك (على فرض وجودها) هي فعلا وقود التفاعل اليومي، أم تركت انفعالاتك وقراراتك وحسدك تتحرك بقوة الدفع الاجتماعي والتدافع الإنساني وفق شعار (كل الناس كذا).
لو سألت أي (فرد) منا عن فلسفته في الحياة لوجدت العجب العجاب من الكلام (المثالي) الذي لا يمنع قائله من تطبيقه إلا مجموعة تبريرات اجتماعية ونفسية تنسف كل مبدأ حتى لو أصله الدين وأجمعت عليه كل القيم الإنسانية. وهذا يؤكد أننا كأفراد نعرف سلبياتنا بل وتجدنا نناقش (فرديا) معظم مشكلاتنا وعيوبنا بكل براعة وفي أحيان كثيرة نشخص الحلول كأفضل ما يكون التشخيص ولكن هذه الحالة (الفردية) النموذجية تذوب في خضم (المجموع) المحتشد. وفيما مضى كان العيب الاجتماعي لا يكشف عن كثير مما نمارسه، وتحت شعار (حنا أحسن من غيرنا) كنا ندفن بعض القصص التي نزعم أنها (فردية) احتراما لهيبة (الجماعة) وسطوة (النظرية).
ولكن تناقضاتنا هذه لم تصمد طويلا فحينما برقت أشعة (البلوتوث الزرقاء) أظهرت معها كل عورة أخفيناها، وقبلها وبعدها تولت الفضائيات ومواقع ومنتديات الانترنت ليس الكشف بل (وتوثيق) الكثير من المخبوء المثير في حياتنا وتعاملاتنا... وسر هذا الكشف الالكتروني العظيم - بكل بساطة- أن الانترنت جاءت ومعها (ديمقراطية) فرص الاتصال المتساوية مانحة المجال للشقي والسعيد ليقول (كل) ما يشتهي. وعلى صفحات الشبكة العالمية التقت وجها لوجه - ولأول مرّة في التاريخ الإنساني - كل الشعوب والثقافات فيما يشبه الامتحان الحضاري الأخلاقي ولك أن تتوقع النتيجة ونسبة الناجين من ألم الضمير. ولأن شبكة الانترنت تلفزيون الدنيا ومرآة النفس الإنسانية فقد بثت من داخلنا المشاهد الحيّة الصادقة ونقلت للدنيا كلها حديث الأرواح القلقة وصور مشتهيات النفوس بكل تناقضاتها وآلامها.
على شبكة الانترنت لا واسطة ولا وسيط ولك أن تتأمل تفاصيل المشهد الالكتروني من حولك... وهو يعكس لك جزءا من واقع أخفته الأقنعة زمنا طويلا.. على فضاء الشبكة الرحب تشاهدنا اليوم شعوب الأرض كما نحن (واقعا) لا كما تمنت لنا النظريّة. وعلى منتديات الشبكة العنكبوتية تجد شقاق (أفراد) على الأصل والفصل والقبيلة، وفي الحوارات يتبين التقاتل ونشر الملفات على منصب (دوار) أو وظيفة (زائلة) مع أن النظرية تقول إن الحياة فانية. في منتديات الأسهم الالكترونية تكالب -لا يوجد له شبيه في كل الدنيا- على حصص الرزق (الذي في السماء). المشفق يقول ويسأل كيف حلت بنا هذه المصيبة الحضارية على شبكة الانترنت مع أننا نملك أعظم (نظرية) أخلاقية عرفها عباد الله.
بكل ألم لابد من الإقرار بأن ما نراه على شبكة الانترنت هو مجموع (نحن) وأن (محتوياتها) هي بعض صورتنا فلا مؤامرة ولا (غزو ثقافي) بل هذا تراكم تناقضات ونتاج (مجتمع) كوّنه (أفراد) منّا ... مشكلتهم أننا لم نعلمهم ماذا يريدون من الحياة؟
مسارات
قال ومضى: (ليست المشكلة) في (الكثير) مما (ضاع) من سنين العمر، بل فيما (تعتزم) عمله في (القليل الباقي) منها.