(في البدء نذكر الابتسامة وهي تقوم بتحليل ظاهرة نبتت من ظاهرة أخرى عن التركيب النفسي لنسائنا عن تعلقهن بصور الخيال حد المبالغة فيتحولن إلى كاريكاتير مسلٍ تنشده حكايات الأخبار والمواقع الاليكترونية وكيف ينظر الواقع إليهن بدوره من خلال نكتة طريفة متداولة: عائلة سافرت لتركيا سياحة.. ضاع شايبهم راحوا للشرطة يبلغون طلبوا أوصافه قالت العجوز طويل وابيض وأشقر عيونه بحرية شعره ذهبي صاح الولد "يمه بس ذي مو مواصفات أبوي"! قالت العجوز "اسكت يمكن يعطونا مهند!")..
هل تدهشنا النكتة قبل أن تضحكنا إذن؟
هل ترون كيف تداخلت الأحداث التي تمتلئ بها أخبار الصحف ومواقع الانترنت من طلاق وفشل علاقات وغيرها من المؤثرات التي اتخذت فجأة جانب الوقائع لا التأمل فقط؟
طبعا لسنا كلنا متابعين ولكن الملاحظة الميدانية تتكرر في اغلب البيوت بصور وسيناريوهات مختلفة وكأنها تتبارى مع المسلسلات المدبلجة نفسها وله نفسي جماعي منتشر حتى إنني تفهمت تماما طلب عاملتنا المنزلية منذ فترة حينما جاءت تريد الإذن لمشاهدة مسلسل نور على إلام بي سي كان الوقت مساء وعادة ما يخف العمل المنزلي عندها فلم أمانع بالطبع ..هي الاخرى دخلت في حالة انبهار جاذب مع بقية الأمة العربية على ما يبدو بأجواء الحلم المصدر إلينا . وها أنا ادخل علي الخط متفاعلة لا لأكون مع الجماعة فقط وهي حالة مشروعة لتجاذب شيئاً من الحراك الاجتماعي الدائر فكريا حاليا وإنما لأن العمل في حد ذاته كظاهرة مستحدثة تتحدى الجميع لمحاولة فهم تأثيرها وربما الاستفادة من هذا النجاح مستقبلا رغم ان هذا الجمع حقيقة لا يشكو وإنما يتبرع لنا بالإجابات يوميا.
"وهل تفهمين اللغة"؟ سألتها قبل أن تختفي عقلا وشعورا من أمامي.
قالت بثقة "ايوه مدام ولكن هادا كلام سعودي تاني"..
شرحت لها عندها أن اللهجة شامية وليست سعودية رغم انها - أي العاملة - كأغلب الناس تعتمد على فهم سياق الاحداث من خلال التفاصيل والمشاهد والمتابعة لا استيعاب مفردات اللغة ويبدو انه مدلول كاف لأنها تبرعت بشرح القصة لي فورا كي لا تفوتني الأحداث. ثم جذبني صوت فتاة قريبة وهي تحكي لابنتي تطور المسلسل كانت الفتاة العشرينية تتحدث بحماس ملفت فسألتها أن تخبرني بصراحة ما الذي يعجبها في المسلسل قالت في بساطة أدهشتني "أحداث المسلسل الواقعية وتناوله شخصيات عديدة بدقة وتفاصيل طبيعية".
"والمسلسلات العربية ينقصها ذلك"؟ سألتها..
قالت بغير اكتراث "لم تعد مقنعة. لا أشاهد الكثير منها"..
إذن مثول الرومانسية كحالة شعور مفقودة في العلاقات الزوجية ليست السبب الأوحد ففي التحقيق الذي طرحت جريدة "الرياض" يوم الجمعة من خلال أسئلة البحث عن سبب إعجاب العرب بالمسلسلات التركية المدبلجة قيل الكثير عن مثول المثالية في العلاقات الإنسانية من الطرفين غير ان ما شخص المتابعة الجماعية هو ما ذكره احد الإعلاميين من احتفاء المجتمعات العربية بالمسلسلات التركية ربما لأنها نجحت في إثارة الأسئلة المخبأة ... أسئلة الحب والعلاقات العاطفية عموما...حالة قد تذكرنا كمحللين هواة كيف تصبح الحكاية وأبطالها أصدقاء خياليين لنا نتابعهم ونتفاعل مع أحوالهم وقد يمكننا هذا الفهم أن نطوع الانتشار الجماهيري للأعمال المدبلجة إلي نقلة نوعية في مواضيع الأفلام المنتجة في العالم العربي والوعي بأن الجمهور بات يقرر اتجاهات ميوله سلفا وان الناس باتت تريد شيئاً من الواقع الجميل لتصادقه.