المساءلة.. والمتسائلون!!
لأول مرة تجري في المغرب محاكمة ظرف زمني متصل بالحكم الراهن عن السجناء والتعذيب والكثير من التجاوزات، ومحاولة إرساء حكومة مدنية تقبل بوضع دساتير ونظام يحقق شيئاً من الحقوق، والعدالة، وهي بلاشك، خطوة خارج ما عرفناه من معظم الأنظمة العربية التي رسمت حدود أنظمتها بمقاييسها وحدها، وما تريد تطبيقه، أو إلغاءه..
وفي موريتانيا تقدمت الديموقراطية، كحل للعديد من حالات الفساد وتقسيم المجتمع والخروج عن نظام العسكر، لكن الوليد توفي بالسكتة العسكرية، وهناك من يسوّغ لهذا التصرف بأنه المحافظة على الدستور والأمن، وإخراج البلاد من أزمة صعبة، في الوقت الذي نعرف أن رئيس الدولة ووزارته وبرلمانه، جاءوا باقتراع حر، ومثالي..
في الخليج تتعالى أصوات مختلفة، بعضها يتظاهر بمحاكمة تجاوزات مالية وقانونية وبما يشبه تحالفات داخل المؤسسة البرلمانية، بين تيارات قبلية ودينية، تظاهرت بالحلول ولكن خلف ذلك تصفية حسابات ومصالح عطلت الكثير من المشاريع، لكنها تبقى مشهداً لم نعرفه في العديد من الدول، وإن حدث، فهو نادر، ويبقى صوتاً بلا فعل جوهري..
أيضاً في الإمارات، هناك محاسبات أعلنتها السلطة لمخالفات مالية وتزييف عقود في مجموعة شركات لها مشاريع ضخمة، واتصلت هذه الاتهامات بشخصيات نافذة لم يجعلها موقعها خارج المساءلة والمحاكمة والتوقيف..
هذه المتغيرات الصغيرة في البيئة العربية الكبيرة، يمكن وضعها في سياقها العام عندما يراقب العالم ومؤسساته أي تصرف بأي دولة في العالم، ومن خلال بيانات وصفقات عقود، وشراكات في مشاريع مشتركة تخضع إلى تدقيق قانوني في بلدانها، صارت تلك التي تعقد صفقاتها، تأخذ في حسابها أن أي خطأ لا يمكن تجاوزه سياسياً أو مادياً طالما هناك من لديه المعلومة والوثيقة والمحاكمة، في بلد المنشأ للمشاريع أو العقود لأي بيع وشراء، أو إقامة مواقع اقتصادية، أو سلع استراتيجية كبيرة..
وحتى لا نقول إننا أمام نقلة موضوعية فيما يسمى، استهجاناً، "الشفافية" التي أصبحت رديفاً لمقومات انعدم مفعولها وقيمها مثل الحرية، والعدالة، وحقوق الإنسان، فإن الضغوط لم تعد من دول كبرى تريد أن تغلف أهدافها بتعميم تلك المثُل للديموقراطية والاقتراع الحر، لكننا أمام ثقافة شعوب بدأت تدرك الألوان وفرز الأبيض من الأسود، وهو مؤشر بأننا نسير باتجاه وعي آخر لديه الفضاء الواسع الذي بدأ يكشف من خلال الوثيقة التي تنشرها، وسائل الاتصال المبرمج، وبلا موانع أو حدود، ما يمكنه لأن يطلع ويقرأ ويفهم كشوفات الحسابات الصحيحة والخاطئة، وهذا المراقب الدولي، هو الذي أصبح يعزز الرأي العام الداخلي بكشف الأسرار حتى ما هو بعيد عن العيون، وشم الأنوف..