وراء أي عمل على وجه البسيطة ابحث عن سر سحري وعجيب..وحتى لا يحار عقلك كثيرا..ولا تذهب بك التفسيرات بعيدا..أو قد تعتبر هذه الجملة وكأنها قد جاءت على هيئة لغز أو سؤال من عينة تلك الألغاز التي تطرح في المسابقات أو حفلات السمر أقول لك ثم أؤكد "فتش عن الإدارة".
حين تلقى بناظريك ذات اليمين أو الشمال ستجد دولا لم تكن في يوم من الأيام شيئا مذكورا..لكنها اليوم غدت بمشاريعها العملاقة وطرقها الراقية في التنظيم وخدماتها الفريدة مناطق جذب لكل الرواد في شتى أنحاء العالم..ونماذج إبداعية ومتميزة جديرة بالاحتذاء..وماليزيا كنموذج متفرد ليست ببعيد فخلال سنوات قليلة خطت خطوات واسعة..وحولت أرضها إلى منظومة جميلة تسر الناظرين.
ولن أسهب كثيراً لأتحدث عن تجارب دول مجاورة سرد عنها الإعلام الكثير لكني سأتوقف عند السر الذي أدى إلى نهضة هذه الدول وتطورها وتخلصها من كثير من مشكلاتها المزمنة..إنه ببساطة الفكر الإداري الراقي الذي حل محل الفكر الإداري القديم والعقيم القائم على البيروقراطية بكل ما تشتمل عليه من تعقيدات وطول إجراءات..وروتين..وحلقات مفرغة تدور فيها المعاملات على غير هدى..وتحتاج المشروعات لسنوات طويلة دراسة وإقراراً وترسية حتى يتم تنفيذها.
في بلادنا نملك من الامكانات المادية والبشرية ما يجعلنا في الصدارة..والدولة لم تقصر إذ رصدت الميزانيات الضخمة عبر كل السنين..لكن بقي الفكر الإداري معوقا رئيسيا في كل خطوة من خطواتنا..فإقرار المشاريع يحتاج لسنوات..وبعد قيام تلك المشاريع تنعدم الصيانة..وتحتاج لسنوات أخرى من أجل ترسيتها..وحين تتم الترسة..يكون المبنى قد وصلت به الحال إلى حد التهالك والحاجة الماسة للترميم..وهكذا نجد غالبية المشروعات تعاني من سوء الصيانة وتدني الخدمات.
تخلف الفكر الإداري أحدث أزمة كبيرة مما أدي إلي أن لا تجد سريراً في مستشفى..وقد تحتاج إلى واسطة وشفاعة..وحب خشوم من أجل الظفر بحجز على إحدى طائرات خطوطنا الوطنية..أو الحصول على قبول في الجامعة..أو وظيفة..وتلك الأزمة جعلتنا نقف عاجزين عن حل كثير من المشكلات..ومنها الازدحام المروري.. ومواجهة الانفجار السكاني ومتطلباته المتزايدة..وغلاء المعيشة..وارتفاع إيجار المساكن والعقار..وتضاؤل قروض صندوق التنمية العقارية.
الأرقام والنسب المئوية لمشكلات لازالت قائمة مثل البطالة والفقر تأخذ في الارتفاع عاماً بعد آخر دون أن نجد المعالجة المناسبة..أو الحد منها بالقدر الممكن..لأنها تدور في أفلاك واسعة لا حدود لها يتقاذفها المسؤولون كل يرى أنها من اختصاص الدائرة الأخرى وهكذا دواليك.
الوقت حان لتجديد الفكر الإداري..وكسر قيود البيروقراطية..وتحويل الصلاحيات للمستويات التنفيذية.. والوحدات الصغرى للانعتاق من المركزية..وربط المكافأة بالإنجاز نحن بحاجة للتخطيط طويل المدى وضعوا تحت التخطيط مليون خط وحوله مليار دائرة..التخطيط الذي ينطلق من دراسة الواقع وبناء الخطط وفق المعلومات الدقيقة والتنبؤات العلمية التي تأخذ في حسبانها المتغيرات المستقبلية..ومن أهمها الزيادة في عدد السكان..والتغيرات الاقتصادية والتقنية.
كوننا نصل لتحقيق أهدافنا بعد عشر سنوات أو أكثر خير من أن لا نصل أبدا.