لسنوات طويلة مضت في تاريخنا أصبحت كلمة "متحرر" كأنها تعني كلمة "منحل" لدرجة أصبح الدفاع عنها هو شبيه بالدخول في معركة خاسرة. ولكن مع التغيرات الكثيرة التي مرت بنا في السنوات الأخيرة فالفرصة متاحة لإعادة الاعتبار لهذه الكلمة التي تم تلطيخها وتشويهها أكثر من أي كلمة أخرى. والذي يجعل هذا الأمر مهماً هو الرغبة في التغيير والبحث عن قناعات جديدة لدى الأجيال السعودية الصاعدة التي ربما يدفعها هذا التشويه الممارَس بشكل مستمر إلى سلوك طرق مضللة في التفكير والتوصل إلى رؤى غير صحيحة.
وفي الحقيقة أن هذا التشويه المتعمد والذي يصل إلى درجة الهوس من ال"التحرر" لدرجة تشويه المعنى الحقيقي له الذي يعني التحرر من الأفكار المسبقة وليس من الملابس، هو يكشف من جانب آخر عن الخوف من هذه الآلية الفكرية الرائعة والمذهلة، والتي تعني الانفصال عن كل الأفكار القديمة التي غرزت في عقولنا ومن ثم محاكمتها والتخلص من بعضها أو أغلبها. لهذا فإن هذا الخوف والتشويه مبرر لأن الشخص إذا استخدم آلية التحرر فإنه سيتحول من شخص خاضع وتابع ومستلب فكرياً إلى شخص قوي ومستقل فكرياً ومتشكك .
هذه النزعة التحررية والتي تبدأ في الصغر كموقف نفسي وعاطفي أكثر منها موقفاً عقلياً هي التي تقود الشخص وتساعده على تشكيل قناعاته بعد ذلك بنفسه.إنها تمنح الشاب أو الشابة القوة والجرأة لكي تجعله يرفض أي تدخل عدواني لتشكيل عقله وسلوكه؛لهذا السبب تحديداً يتم تلطيخ هذا الآلية الفكرية الفاعلة على هذه الطريقة التي تستخدم الإيحاءات الجنسية البذيئة، وتصور المتحررين فكرياً بأنهم مجموعة من المنحلين أخلاقياً(بالطبع كل هذه اتهامات فارغة وسخيفة). كل ذلك بهدف إبعاد الأجيال الجديدة من أن يملكوا مثل هذه النزعة التحررية الضرورية، ويصبح باستطاعتهم خلق شباب وفتيات من المنقادين والمستلبين، وإذا كانوا نجحوا في ذلك في مراحل سابقة فإنهم ربما لن يقوموا بذلك مع الأجيال الجديدة (أو على الأقل قسم كبير منها) التي تريد أن تبحث عن الحقائق بنفسها.
افتقادنا لآلية التحرر هذه أوقعتنا في الكثير من الأخطاء الكارثية الإنسانية والأخلاقية. ولأنها لا توجد لدينا صدّقنا بسرعة كل الأفكار المتشددة والتي تهاجم فيها أصحاب الأديان والمذاهب المختلفة معنا وكل هذه تمت لأكثر الأساليب سطحية.
النزعة التحررية كانت ستقوم بدورها لجعلنا نرى هؤلاء المختلفين معنا كبشر عاديين وليسوا كأعداء. يمكن أن تقودنا النزعة التحررية للبحث العقلاني الذي يقول في النهاية إن المجتمعات المتسامحة والمنفتحة، والتي لا تحاكم الأشخاص بناء على عقائدهم الدينية أو الفكرية هي أكثر المجتمعات تحضراً وازدهاراً، حتى في المرحلة المضيئة من تاريخنا الإسلامي كان التسامح والانفتاح من أهم سماتها.
أيضا قليل من التحرر الفكري كان سيجعلنا لا نصدق كل القصص الغبية عن الأفاعي في القبور والشخصيات التي مسخت لحيوانات (هل تذكرون القصة السخيفة التي تتحدث عن شخص قام بخطأ فمُسخ إلى أفعى ووضع الرقم للاتصال به والتأكد وبالفعل عندما تتصل بالرقم تستمع إلى فحيح ولكنه كان مجرد فحيح جهاز فاكس الذي لم يعرف على نطاق واسع وليس أفعى).
كل هذه القصص وغيرها كثير من الأفكار الخرافية استطاعت أن ترعبنا وتعبث بعقولنا وتشل مواهبنا، والتحرر وحده كان كفيلاً بجعلنا نحولها إلى طرائف نسخر من قائلها، ولكننا للأسف صدقناها( ومازال الكثيرون يفعلون ذلك والسبب لذلك واضح لأنهم يفتقدون لآلية التحرر).
التحرر الفكري كان سيجعلنا لا نتعامل مع النساء على هذه الطريقة البوليسية التي تراها كمتهمة، ولديها ميول فطرية للانحراف، وإنما كان التعامل معها سيتم كإنسانة لا يمكن التعدي على كرامتها وحريتها. أتذكر في أحد الدروس في الثانوية وصف المدرس (الذي يكره المتحررين فكريا جدا) المرأة بأنها مجرد لعبة، ويجب أن لا يتعامل معها الرجل على غير هذه الطريقة، ومن المثير أن جميع من في الفصل لم يرد عليه بل وافقه على ذلك، ويبدو لي السبب واضحاً الآن. كنا خاضعين ومنقادين عاطفياً وعقلياً تماماً ولم نكن نملك أي نزعة تحررية لنقول له لا. ومن المحزن أيضاً هو أن افتقاد مجموعة كبيرة من النساء أنفسهن لهذه النزعة التحررية جعلهن يقبلن كل هذه الأفكار التي تنتقص من إنسانيتهن، ويمارسن بطريقة غريبة ومحزنة القمع والانتهاك ضد أنفسهن.
التحرر الفكري كان سيساعدنا على التخلص بسهولة من العنصرية العرقية البغيضة التي تقول إننا متفوقون جينياً على الآخرين لدرجة لا نريد أن تختلط دماؤنا معهم (تكافؤ النسب مثلا). التحرر الفكري من هذه القناعات العنصرية التي تولدها الأفكار البدائية كان سيجعلنا نرى أنفسنا والآخرين كما هم في الحقيقة وليس الخيال الكاذب. أي أنهم بشر متساوون عرقياً ولا توجد هناك دماء نبيلة وأخرى وضيعة.
التحرر الفكري كان سيساعدنا على التخلص من كم هائل من مثل هذه الأفكار المتشددة والغبية والازدرائية القبيحة مستخدمين الوسائل العقلانية والعلمية الحديثة. ماذا لو كنا نملك هذه الميزة منذ أكثر من ثلاثة عقود مثلاً؟!. من المؤكد أننا سنكون مختلفين عما نحن عليه الآن. ولكن الذكريات لا تتغير ولكن بإمكاننا تغيير الواقع. لذا من المهم أن تبدأ الأجيال الجديدة الآن رحلتها التحررية التي تأخرت أكثر من اللازم.