بحث



الاربعاء 19 شعبان 1429هـ -20 أغسطس2008م - العدد 14667

عودة الى الأخــيــرة

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


حول العالم
النبوءة المحققة لذاتها

فهد عامر الأحمدي
    آراؤنا المسبقة مسؤولة بنسبة كبيرة عن تشكيل مواقف الآخرين تجاهنا وكيفية تعاملهم معنا.. فإن أخذت مثلا فكرة مسبقة عن شخص بأنه مخادع (أو يضمر لك سوء النية) ستعامله على هذا الأساس وتتصرف معه بفظاظه وحذر (بدون أن يستحق ذلك فعلا).. وحين يشعر هو بمعاملتك هذه يتصرف معك على نفس الأساس (لأن لكل فعل رد فعل معاكس في الاتجاه) وحين يفعل ذلك تشعر أن ما افترضته فيه كان صحيحا (منذ البداية) فتستمر بالتعامل معه على هذا النهج حتى تصلا لنقطة "اللاعودة" ومرحلة التصادم الحقيقي..

... وهذا مجرد مثال لنبوءات شخصية نعمل على تحقيقها وتجسيدها بدون وعي منا.. وقدرتنا اللاواعية على تحقيق هذا النوع من النبوءات يندرج تحت نظرية اجتماعية (تحمل نفس الاسم) تشرح دور التوقعات المسبقة في بلورة السلوك البشري.. وهذه النظرية (التي وضعها عالم الاجتماع كي ميرتون عام 1949) تندرج بدورها تحت ظاهرة أكبر تثبت أن أفكارنا - لا تحدد طريقة معاملة الناس لنا فقط - بل وتساهم في تشكيل حياتنا وتجسيد أحلامنا وطموحاتنا!

ورغم عدم نيتي الحديث عن الظاهرة الأكبر (كوني تحدثت عنها في مقال بعنوان: يبقى الشيء ساكنا حتى تفكر فيه فيتحرك باتجاهك) إلا أنني أود التركيز على دور الآراء المسبقة في رسم الأحداث وتجسيد الوقائع..

فمن الخطير فعلا أن يملك أحدنا "ظنوناً مسبقة" و"آراء جاهزة" كونه سيعمل بلا وعي على تحقيقها.. وكل من يملك شخصية تصادمية - تتمحور حول الشك وسوء الظن - يعمل بلا قصد على أقلمة من حوله للتعامل معه على هذا الأساس.. ويجتمع سوء الظن إلى العنصرية حين نأخذ فكرة خاطئة عن الأجانب فنتصرف معهم بحذر وتشكيك فيتصرفون (بالتالي) برد فعل مماثل (بحيث) يجسدون آراءنا على أرض الواقع / وعندها تتأكد ظنوننا ويزداد رأينا فيهم قوة ورسوخا..

وهذه التركيبة (المحققة لذاتها) قد تحدث بين الأب والابن، والمدير والموظف، والحاكم والرعية، بل وبين الدول ذاتها.. فقد ترى جورجيا مثلا أن روسيا تضمر لها الشر بسبب اقليم أوسيتيا فتعلن حالة الاستنفار ، ومن جهتها ترى روسيا بذلك استفزازا مباشرا فتدفع بقواتها تجاه الإقليم فتنشب حرب فعلية بين الطرفين.. والتوتر الذي يقع على حدود الدول بهذه الطريقة هو السبب الأول لنشوب الحروب والصراعات - حيث يتجسد سوء الظن على أرض المعركة قبل أن يكتشف الجميع عدم وجود سبب حقيقي لمجمل الخسائر - !

... أما الجانب الايجابي في هذه الظاهرة فهو أنها تعمل بنفس الكفاءة على الجانب المقابل لسوء الظن.. فحين تمنح أحدهم ثقتك الكاملة يعاملك (هو) بنفس الطريقة والمستوى فتتأكد (أنت) من صدق حدسك فتستمر في معاملته على هذا الأساس.. فكم مرة مثلا اشتريت شيئا من بقالة الحي ثم اكتشفت عدم امتلاكك للمال الكافي فيقول لك البائع (لا بأس ؛ احضر المال لاحقا) فيتملكك شعور بضرورة تحقيق ثقته بك فترد له المال بأسرع وقت ممكن..

وهذا الأسلوب (في تجسيد النبوءات الحسنة) قد يشكل أساس علاقة حسنة ومتينة بين الأب والابن، والمدير والموظف، والحاكم والرعية، بل وحتى بين الدول ذاتها.. فلو أعلنت جورجيا مثلا ثقتها بموسكو وسحبت قواتها لداخل الحدود لما بقي أمام روسيا (على الأقل حفاظاً على سمعتها الدولية) سوى التجاوب وسحب قواتها لنفس المسافة!

...على أي حال هذه مجرد أمثلة (وكلي ثقة) بمهارتك في تطبيق الجانب الحسن من الفكرة!

111 تعليق
تنويه: في حال وجود ملاحظة أو اعتراض على أي تعليق يرجى الضغط على (إبلاغ)

 


ماشاءالله عليك يااستاذ دخلت الفيزياء في السياسه والحروب باسلوب رائع
لكن لازم ناخذ بقول الرسول صلى الله عليه وسلم "عامل الناس كما تحب ان
يعاملوك" وشكرا لك


وجدان
ابلاغ
03:41 صباحاً 2008/08/20

 


كأنك دخلت بالسياسه..
على العموم مقال رائع..


fbs
ابلاغ
03:42 صباحاً 2008/08/20

 


(ان بعض الظن اثم ) عبارة موجزة تعبر عن جميع ماكتبت في مقالك
وفيالحديث القدسي يقول سبحانه (أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ماشاء)
فعلا تجد الذي يحمل سوء الظن للناس دائما تواجهه المشاكل, ويقول أرأيتم اني صادق في توقعي
ومن يعامل الناس بحسن نية قليلا مايجد عكسها.
وانصح الجميع بكتاب (السر)


خلود..
ابلاغ
03:43 صباحاً 2008/08/20

 


أنا أشهد أنك سنافي يابو حسام.


روبن هود
ابلاغ
03:45 صباحاً 2008/08/20

 


أحلى صباح
للرائع أبو حسام
يبدو أننا جميعاً نظرنا لك بأنك أفضل كاتب لابد من القراءة له فحققت لنا ذلك من خلال مقالتك التى تثري فينا المخزون الثقافي فصدقني أنني أنظر لك على أنك أحد أهم المصادر الثقافيه
إسمح لي أنت أول محرك بحث بشري ناطق وكاتب ومبدع عندما نريد أي معلومه نلجأ لكتاباتك فتثرينا أبو حسام إسمح لي أنت " فوفل الأحمدي " ( بدون زعل )
أبو حسام أحبك في الله


احمد العنزي
ابلاغ
03:51 صباحاً 2008/08/20

 


صباح الجوري
وربي مقال روووعه..عليك أسلوب ماأقول الا ماشاء الله تبارك الله..الله يجزاك خير.


روز
ابلاغ
03:54 صباحاً 2008/08/20

 


أما حقت البقالة كثر منها وأنا خوك
انا راعي بقالة من كل خمسة أشخاص ثلاثة ما عاد نشوف وجههم أبد
لكن الله يصلح الأحوال


أبوهمام
ابلاغ
03:57 صباحاً 2008/08/20

 


مقال رائع و خفيف أبو حسام ,, و لو إني ما أعتقد إن هالفكره ممكن تنطبق في عالم السياسه ,, لإنه عالم - و أنت سيد العارفين - بلا قوانين و التعامل فيه بحسب المصلحه لا العاطفه.
تحياتي الصباحيه بروح الفل و الياسمين لك و للعزيزين على قلبي من القراء.


طارق
ابلاغ
04:03 صباحاً 2008/08/20

 


حالياً أقرأ كتاب The Secret
يبدو إن كاتبنا المميّز قرأه أيضاً وتأثّر به..
كتاب رائع يثير تساؤلات "ذكية" داخل كل منا..
ومقال جميل يدور حول نفس الفكرة تقريباً..


SomeGirl
ابلاغ
04:05 صباحاً 2008/08/20

 10 


ياليت الناس كلها تتعامل كذا بس الخوف لو تعاملت كذا وصار العكس


toto
ابلاغ
04:12 صباحاً 2008/08/20

 11 


كاتب مبدع وفي الصحيفة الأبرز
سلمتما لنا دوما


أبو عزوز
ابلاغ
04:14 صباحاً 2008/08/20

 12 


وماذا عن ( الحدس ) أو الحاسه السادسة كما يقولون وبصراحة لا يمكن ان اعامل جميع الاشخاص بطبع واحد لابد من توفر عوامل جذب وتباعد بين شخص واخر فالمؤثرات الخارجية اكيد لها دور في تحديد نوعية التعامل مثل ( المظهر، الملبس، طريقة الكلام، العمر، الجنس ( ذكر او انثا). الخ.


ابو شوق
ابلاغ
04:22 صباحاً 2008/08/20

 13 


اضاءه رائعه.. من استاذ رائع.. كعادتك مبدع


تركي
ابلاغ
04:36 صباحاً 2008/08/20

 14 


أبدعت يا أستاذنا
تعلمت منك الكثير ولن أكف عن متابعتك وقراءه أفكارك :)


أبو نواف
ابلاغ
04:37 صباحاً 2008/08/20

 15 


شكرا لك على هذا المقال الجيد.
حقيقة أن عملي مذكور في مقالك وقد عملت
بالأسلوبين ولقيت الردين،
هذا ما احببت أن أقول لك وشكرا..


المرزوقي من بلاد غامد
ابلاغ
04:38 صباحاً 2008/08/20

 16 


اؤيدك في رأيك
ولكن لا يجب ان نغفل جانب مهم وهو عدم الافراط في الثقة
وان تكون الثقة بحدود
شكرا ابو حسام
والى الامام


ابو نواف- الرياض
ابلاغ
04:42 صباحاً 2008/08/20

 17 


كم انت مبدع
يا فهد
مع الشكر


هيثم
ابلاغ
04:55 صباحاً 2008/08/20

 18 


روسيا لا زالت تريد أن تقول لأمريكا أنا هنا ؟؟؟ ودمتم.


أبو غلا
ابلاغ
04:58 صباحاً 2008/08/20

 19 


اقتباس:
"على أي حال هذه مجرد أمثلة (وكلي ثقة) بمهارتك في تطبيق الجانب الحسن من الفكرة!"
نعم طبقت قول الرسول"أحب لأخيك ما تحب لنفسك" طبقتها في النظرة والابتسامة والحديث
وأمكنني من كسب محبة زميلاتي في الدراسة
حتى ان صديقاتي يقولون:ليه البنات يأتون إليك ويسلمون عليك أولا؟!
مع العلم اني لست اجتماعية جداً.
لكن السؤال كيف أبقي حسن الظن والمحبة حتى لو حصلت مشكلة بسيطة؟!
لأني أتعب في هذا فمن خذلتني لا يمكن أن أنسى لها الموقف


آيمي -سدير
ابلاغ
04:58 صباحاً 2008/08/20

 20 


بحق انت افضل كاتب


تحياتي لك بحق انت افضل كاتب
ابلاغ
05:08 صباحاً 2008/08/20



  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى الأخــيــرة

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية