ذهب الرئيس..
فهل تعود الديمقراطية؟!
خرج (برويز مشرف) من الحكم، ولكنه لم يخرج من القضايا المعلقة التي قد تفتح الأبواب والملفات، وهنا ستطال المساءلات، لو حدثت، كل فريقه الحاكم من عسكر ورجال أعمال وسلطة ورموز دينية وقبلية، لا تزال لديها منافذ القوة في البيئة الباكستانية المضطربة..
لا أحد ينفي أخطاء الرئيس السابق، ولا تجاوزاته الدستورية والقانونية، وهو كأي عسكري ابتُليت به الدول العربية والإسلامية، نتاج ظروف جعلت القادمين ببزاتهم أو أقاموا حكومات بقشرة مدنية يحرسونها بجنودهم ودباباتهم، وسلطاتهم غير المرئية من مباحث واستخبارات، أمراضاً نريد أن تكون الباكستان نموذجاً آخر يشبه تركيا بتوديع آخر الانقلابات وحكوماتها، طالما لديها تحديات مكافحة الإرهاب، والفقر والبطالة، واحتكار الأموال والسلطة، وتقديم ولاءات الجيش على المواطنة التي تجمع تلك الفسيفساء التي يتشكل منها المجتمع الباكستاني، والمعرّض للكثير من الاهتزازات والخلل الصعب إذا ما دخلت منطقة العتمة مرة أخرى..
ففي الجهة الشرقية لهذه الدولة الإسلامية النووية الكبرى، هناك بنغلاديش، البلد الفقير والمتخلف والذي ظل عبئاً على باكستان، وتحيط حدودها الأخرى أفغانستان بأحوالها المعقدة، والهند كبلد يزحف نحو قمة العالم ليتساوى، ويتسابق مع القوى العظمى في العالم، وحتى يدرك أصحاب الائتلاف الحاكم بباكستان أن المهمة ليست مجموعة صور و(برستيج) وولاءات حزبية وقبلية، وعقود مع دولة عظمى تريد أن تمرر باكستان مصالحها القومية والاستراتيجية على هذه الحكومة، فعليهم أن يكونوا المؤسسة الأولى للإصلاح، والتي تقفل كل ما قبلها، وتبدأ من الخط التصاعدي الأول، لأن أي خلافات أو تجاوزات تصل إلى الرموز القديمة ربما تعيد الجيش إلى السلطة، ثم تبدأ السبحة ينفرط عقدها..
هناك إمكانات مختلفة مادية، وبشرية قادرة أن تضع الباكستان على خط واحد مع بلدان استطاعت أن توظف تلك الطاقات في نتائج تطال الشرائح الاجتماعية دون تمييز لدين أو عقيدة، أو مذهب وقبيلة، وهناك صراع غير مضمون النتائج مع الهند، إذ لا يزال جرح العداء بعد مراحل تقسيم القارة بارزاً، وهناك ما هو أخطر من كل ذلك أن المسلمين الهنود الذين يتجاوز عددهم الباكستانيين، ليسوا على وفاق مع جيرانهم عندما اندمجوا في مجتمعهم، وأصبحوا رقم المعادلة في بلد يتقدم أكثر من خطوة، بينما الشعب الباكستاني، رهين الصراعات الداخلية، والهجرة، والعسكرة، وفي هذا الوسط المعقد لابد للحكومة الراهنة أن تقدم براهينها بأنها ديمقراطية إصلاحية تستمد نفوذها من قوة شعبها، لا الاستقواء بقوى خارجية، ضد دول محيطة بها، وأن تجد المنافذ لإعادة هيكلة الدولة على أسس لا تعيدها لنقطة الصفر بالانقلابات أو الاضطرابات المهيِّئة للانفجار..