د. هاشم عبده هاشم
@@ أشعر بسعادة بالغة..
@@ وأنا أتابع جهود الأمير خالد الفيصل، منذ تسلم مقاليد إمارة منطقة مكة المكرمة.. لإحياء دور سوق عكاظ بالطائف المأنوس.. بل بالتاريخ العربي والإسلامي على امتداد هذا العالم..
@@ وأنا لست هنا بصدد الحديث عن القيمة التاريخية.. أو الأدبية.. أو التجارية.. لسوق عكاظ..
@@ ولكنني بصدد القول: اننا قد أهملنا جزءاً من تاريخنا.. وملمحاً من ملامح تميزنا.. وبعضاً من حضارتنا..
@@ وعلى مدى التاريخ العربي والإسلامي..
@@ وعلى مدى أوطان هذه الأمة المتناثرة..
@@ بل انه وعلى مستوى العالم.. فإنه لا يوجد سوق جمع في وظائفه.. خصائصه.. ومهامه بين عناصر المال.. والتجارة.. والثقافة.. والسياحة.. والشعر.. والطبابة.. وعلوم الأنساب.. والصيد.. والفروسية.. وفنون القوة والحروب.. والزخرفة والحفريات.. والآثار.. والقيم القبلية.. والإنسانية.. كما كانت الحال بالنسبة لسوق عكاظ هذه..
@@ إن من يدرسون تاريخ الجزيرة العربية.. وتاريخ العرب ككل.. وتاريخ سوق عكاظ على وجه التحديد يدركون.. أننا أمام نمط تراثي غير مسبوق سواء في عدد النشاطات.. أو تنوع مجالاتها.. أو معطياتها.. وانعكاساتها على الحياة الأدبية.. والتجارية.. والاجتماعية - العربية رغم صعوبة وسائط النقل.. وبساطة وسائل الاتصال وأدواتها في تلك الفترة.
@@ لقد عرفت السوق مفهوم الإعلام لأول مرة عبر حناجر الشعراء والرواة.. كما عرفت مفهوم التجارة وأنواع العملات النقدية.. ومجالات التبادل والتعاون التجاري، جنباً إلى جنب صنع القادة وأمراء الحروب.. وأباطرة القوة وصانعي العمل الاستخباري سواء بالنسبة لتأمين سير القوافل بين مختلف الربوع أو بالنسبة لتوفير السلامة لسكان المدن وقاطنيها وتعزيز الأنظمة القائمة فيها.
@@ ليس هذا فحسب..
@@ بل إن سوق عكاظ وضعت أول قانون لتبادل المصالح بين العرب وغير العرب.. مما ساعد على تجاوز الحدود والموانع واندماج الشعوب، وجعل القبائل تخرج عن دائرة خصوماتها العصبية.. ومصالحها المحدودة والضيقة لتحل محلها روابط اجتماعية وإنسانية مهدت لمصاهرات واسعة قفزت على أعراف وتقاليد الثارات الدموية فيما بينها..
@@ وإذا كنا قد نسينا كل ذلك.. أو تناسيناه في ظل مفاهيم (مغلوطة).. وتفسيرات (قاصرة).. فإن إحياء هذه السوق فيه استرداد لذاكرتنا.. وتحقيق لذواتنا.. ومحاكمة نزيهة لكل ما حفلت به تلك المرحلة.. وتنقيتها من كل ما علق بها.. أو أُسيء فهمه حولها..
@@ ولاشك ان استحضار التاريخ هو جزء من الوعي به.. والإدراك لأهميته.. فهو بكل ما انطوى عليه جزء من تاريخنا.. ولا يمكن لأمة ان تنكر بعض تاريخها.. أو تتنكر له.. أو تحاول تزييفه.. أو إلغاءه مهما كان مطبوعاً بطبيعة المرحلة والظرف.. فما بالنا بتاريخ فيه من الخصائص.. والإبداعات.. والأوليات.. والإنجازات.. ما يستدعي العمل على استرجاعه والمحافظة عليه.. وتطويره.. كحلقة من حلقات تاريخ هذه الجزيرة.. وبعض من ملامح شخصيتها..
@@ وغداً سوف لن تكون سوق عكاظ مجرد تاريخ.. وإنما سوف تصبح بمثابة رصيد مفتوح نحو تلاقح حضارات الإنسان في كل مكان بكل ما تحفل به تلك الحضارات من فنون.. وعلوم.. وآداب.. وتجارة.. وسياسة.. وابتكارات..
@@ وباختصار شديد.. فإن كل معطيات الحضارة الإنسانية والتقدم في هذا العالم هو جزء من فكر سوق عكاظ الجديدة، حيث سيلتقي العلماء.. والمفكرون.. والقادة.. والطلائع في رحابها.. كما أسمع وأرى..
@@ شيء واحد أريد ان أراه قريباً هو.. ان تعود الحياة إلى مدينة الطائف المأنوس وما حولها.. لتصبح مهيأة لاستقبال كل هذا الزخم الفكري العالمي المتوقع.. وتكون بذلك مدينة المدائن.. وقبلة كل السياح.. وملتقى المثقفين.. وصناع المستقبل بكل ألوانهم ومشاربهم وإبداعاتهم الإنسانية الخلاقة..
@@@
ضمير مستتر:
@@ ( مهما اخطأنا في فهم التاريخ.. إلا أن التاريخ يظل أقوى من أي تشويه.. إذا توفرت الإرادة.. وسلامة الرؤية.. ونصاعتها).