مشكلتنا مع مفردات اللغة، أو مشكلة مفردات اللغة معنا - وهذا هو التعبير الصحيح والعاقل - أننا لا نوظفها التوظيف السليم والواعي والدقيق. ونسيء استخداماتها بشكل يجعلنا في غاية التطرف، أو عدم الفهم لأدوات اللغة، ومعانيها، ودلالاتها، وأبعادها، إذ لا نجد حرجاً في استخدام "أفعُل" التفضيل عند كل شاردة وواردة، وعند وصفنا لأبسط تفاصيل الحياة، كأضخم، وأكبر، وأروع، وأحسن عند حديثنا عن استاد رياضي، أو برج مياه، أو مشروع تجاري. أو طريق حتى لو كان يربط شارعاً بشارع في حي قديم متواضع.
وفي نقاشاتنا، وحواراتنا لا نجد حرجاً في استخدام مفردات مثل الصحيح هو كذا، وثقتي المطلقة هي هذا الرأي الذي أطرحه، والحقيقة المجردة هي ما أقوله، وأجزم بأن هذا الأمر يعالج بهذا الشكل. ولا نعير اهتماماً بأنه لا أحد يملك الحقيقة، وليس هناك في الأساس حقيقة مطلقة في الوجود، وكل الأشياء والآراء والأفكار نسبية قابلة للصواب، والخطأ، واحتمالات أن تكون صحيحة، أو تكون ضعيفة واهنة كأوراق الخريف.
وفي الآونة الأخيرة جدّ في تعاملاتنا، وحواراتنا، ودخل إلى مفاهيمنا مصطلح "الشفافية" وأخذ إعلامنا المرئي، والمكتوب، والمسموع يردد هذه المفردة حتى أصبحت متداولة أكثر من عبارات تحايانا الصباحية، والأخيرة أشك في وجودها إذ أن الجميع في همّ الغلاء، وهمّ الأسعار، وهمّ الوظيفة، وهموم أخرى.
ويبدو أن مفردة الشفافية هذه أخذناها دون وعي بأبعادها، ومعانيها، وهي سلوك، وفعل، وممارسة جميلة جداً، ورائعة جداً، ونتمنى حقيقة أن تسود حياتنا في كل أمورنا، وتكون ثقافة متأصلة "بشكل مطلق" عند كل كائن أينما وجد، وحيثما وجد، ومهما كان عمله، وموقعه في النسيج الاجتماعي.
غير أن هذا المصطلح فقد معناه، وبريقه، وألقه حينما استهلكناه بشكل بليد، وألبسناه لباساً استهلاكياً وأعطيناه صفة المخدر، لنسوغ به ونبرر أخطاءنا وتجاوزاتنا، وخطايانا في حق الوطن، وأنفسنا، وفضاءات المجتمع.
مثلاً.. مثلاً.
سوق الأسهم. وهنا أسجل سريعاً، سريعاً جداً، احترامي وتقديري وإشادتي بجهود الدكتور عبدالرحمن التويجري الذي عمل ولايزال يعمل وسط حقول الألغام، وبين الحفر المفخخة "بشفافية" وشجاعة، وعزم، ومواطنة حقيقية. واحتفائي بإصراره على أن يخلّص السوق المالية من شوائب كثيرة ويحميها من نوايا وممارسات تدميرية.
أسجل الحب، والتقدير للدكتور التويجري . ونقطة على السطر.
إذن:
السوق المالية أحوج ما تكون إلى الشفافية بمعناها المجرد والواضح والشجاع، لكي نعيد للمجتمع الطبقة الوسطى التي انقرضت أو تكاد فهي مدماك الاقتصاد.
لا أزيد. بل أستأذن.