يتواصل الحديث عن الشخصية السعودية الاستثنائية "قوت"، إذ عاشت طول عمرها نصيرة للمرأة، وهي تذكر بفخر كيف أنها كانت تحمي النساء من عنف أزواجهن وتؤيهن في بيتها وتطعمهن مع بناتها وترفض تسليمهن حتى تحصل على معاهدة من الزوج بأن لا يتعرّض لزوجته بالعنف مرة أخرى، وفي بعض الحالات إذا تعرّضت الزوجة للضرب أو للجرح، فإنها ترفض عودتها إليه مهما يكن الأمر وتقوم بمرافقتها حتى تصل إلى أهلها إن كانوا في بلدة بعيدة.
تروي حكايات ومغامرات أثناء رحلة الهرب هذه، وفي الغالب يرافقهن أخوها فهد المدجج بالسلاح، وتحمل هي بارودًا طويلة ورثتها عن أبيها، ثم ينطلقون على أرجلهم عند غياب النجمة، تقصد عند منتصف الليل، ونادرًا مايكون معهم دابة بسبب ضعف الحال وقتها. وتتكون الرحلة من ثلاثة أجزاء، يبدأ الجزء الأول من وقت الانطلاق حتى وقت القايلة، أي منتصف النهار، ويكونون قد قطعوا مسافة مناسبة ووصلوا إلى جبل أو طلحة في الصحراء لكي يرتاحوا فيها قليلا، وكانت تردد أغنيات حماسية وأخوها فهد يهتف وراءها، وكانت تلك الأغاني تهدىء روع الضحية وتُشعرها بالأمان. والجزء الثاني من الرحلة ينطلقون فيه بعد الظهر حتى يدمس الدماس، أي إلى حين تغيب الشمس، ثم يبيتون، ويواصلون من الغد رحلتهم التي تمثل الجزء الثالث إلى أن يصلوا إلى أهل الزوجة. وقبل الوصول يتقدّم أخوها الموكب مطلقًا في الهواء رصاصة لكي يخرج الرجال، فيذهب إليهم ويفسح المجال أمام أخته ورفيقتها لكي يتقدّمن نحو منزل أهل الضحية. وتحرص "قوت" على تقديم رفيقتها خير تقديم وإنزالها مكانة رفيعة من العزة والكرامة، فتقابل والد الزوجة أو أخاها، ثم تنطلق في حديث فصيح وبلسان بليغ عن أنها لاترضى ولا يمكن لامرأة شريفة خرجت من أصلابكم ياأولاد الأحرار أن ترضى ولايمكن لسلالة الأبطال التي أنتم منها أن ترضى بالهوان والذل من فلان (ثم تذكر اسم الزوج المعتدي)؛ وتطلب منهم العهد أن يؤمّنوا هذه الفتاة التي هي ابنتهم ولا يعيدوها مرة أخرى إليه. تقول إنها نجحت في كل رحلاتها وأن النساء اللاتي حمتهن لم يتعرّضن للأذى بعدها؛ وتضيف قائلة: الناس يعرفون من هي أنا، يعرفون جبروتي ولايخطّمون لي لأني إذا قلت فعلت.
ومع تضحيتها في سبيل صيانة المرأة والحفاظ على كرامتها وحمايتها، جاءتها الطعنة ذات يوم من امرأة مثلها، فعلمت أن امرأة من بنات جاراتها وافقت على الزواج من زوجها. برّر الزوج فعلته بأنها أم البنات -فقد صار عندها منهن أربع- وهو يبحث عن ولد. فما كان منها إلا أن حزمت ملابسها القليلة وتركت ابنتيها الصغيرتين عند أخ زوجها وأوصته عليهما وقالت له بأنها تثق بعدله وبأمانته أكثر من ثقتها بزوجها، وأنها سترحل وقد لاتعود. أما البنتان الكبيرتان فقد كانتا متزوجتين، فاستأذنت إحداهما بأخذ طفلها الذي تحبه لكي يرافقها في رحلتها البعيدة.
وقبل غروب شمس أحد الأيام الشتوية حملت الطفل على كتفيها وأمسكت بعمود حديدي طويل تتوكأ عليه ثم سارت نحو قرية ليست بعيدة لكي ترافق المسافرين على سيارة لُوري متّجه صوب بقايا أهلها في الموصل، فقد مات أخوها فهد ولم يبقَ لها سوى أخت تعيش هناك. وفي هذه الرحلة الشاقّة ثمة مواقف كثيرة عاشتها، ربما تتاح الفرصة للحديث عنها على لسان حفيدها الذي رافقها. وقبل أن تنتقل إلى جوار ربها قبل مايقارب من ربع قرن، كانت سمعتها قد ضربت الآفاق في بلاد الجبلين بأنها المرأة الجسورة التي لاترضى بالظلم والهوان على كل بنات جنسها.