بحث



الثلاثاء 18 شعبان 1429هـ -19 أغسطس2008م - العدد 14666

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


ايقاع الحرف
شخصيات سعودية غير نمطية: قوت (2/2)

ناصر الحجيلان
    يتواصل الحديث عن الشخصية السعودية الاستثنائية "قوت"، إذ عاشت طول عمرها نصيرة للمرأة، وهي تذكر بفخر كيف أنها كانت تحمي النساء من عنف أزواجهن وتؤيهن في بيتها وتطعمهن مع بناتها وترفض تسليمهن حتى تحصل على معاهدة من الزوج بأن لا يتعرّض لزوجته بالعنف مرة أخرى، وفي بعض الحالات إذا تعرّضت الزوجة للضرب أو للجرح، فإنها ترفض عودتها إليه مهما يكن الأمر وتقوم بمرافقتها حتى تصل إلى أهلها إن كانوا في بلدة بعيدة.

تروي حكايات ومغامرات أثناء رحلة الهرب هذه، وفي الغالب يرافقهن أخوها فهد المدجج بالسلاح، وتحمل هي بارودًا طويلة ورثتها عن أبيها، ثم ينطلقون على أرجلهم عند غياب النجمة، تقصد عند منتصف الليل، ونادرًا مايكون معهم دابة بسبب ضعف الحال وقتها. وتتكون الرحلة من ثلاثة أجزاء، يبدأ الجزء الأول من وقت الانطلاق حتى وقت القايلة، أي منتصف النهار، ويكونون قد قطعوا مسافة مناسبة ووصلوا إلى جبل أو طلحة في الصحراء لكي يرتاحوا فيها قليلا، وكانت تردد أغنيات حماسية وأخوها فهد يهتف وراءها، وكانت تلك الأغاني تهدىء روع الضحية وتُشعرها بالأمان. والجزء الثاني من الرحلة ينطلقون فيه بعد الظهر حتى يدمس الدماس، أي إلى حين تغيب الشمس، ثم يبيتون، ويواصلون من الغد رحلتهم التي تمثل الجزء الثالث إلى أن يصلوا إلى أهل الزوجة. وقبل الوصول يتقدّم أخوها الموكب مطلقًا في الهواء رصاصة لكي يخرج الرجال، فيذهب إليهم ويفسح المجال أمام أخته ورفيقتها لكي يتقدّمن نحو منزل أهل الضحية. وتحرص "قوت" على تقديم رفيقتها خير تقديم وإنزالها مكانة رفيعة من العزة والكرامة، فتقابل والد الزوجة أو أخاها، ثم تنطلق في حديث فصيح وبلسان بليغ عن أنها لاترضى ولا يمكن لامرأة شريفة خرجت من أصلابكم ياأولاد الأحرار أن ترضى ولايمكن لسلالة الأبطال التي أنتم منها أن ترضى بالهوان والذل من فلان (ثم تذكر اسم الزوج المعتدي)؛ وتطلب منهم العهد أن يؤمّنوا هذه الفتاة التي هي ابنتهم ولا يعيدوها مرة أخرى إليه. تقول إنها نجحت في كل رحلاتها وأن النساء اللاتي حمتهن لم يتعرّضن للأذى بعدها؛ وتضيف قائلة: الناس يعرفون من هي أنا، يعرفون جبروتي ولايخطّمون لي لأني إذا قلت فعلت.

ومع تضحيتها في سبيل صيانة المرأة والحفاظ على كرامتها وحمايتها، جاءتها الطعنة ذات يوم من امرأة مثلها، فعلمت أن امرأة من بنات جاراتها وافقت على الزواج من زوجها. برّر الزوج فعلته بأنها أم البنات -فقد صار عندها منهن أربع- وهو يبحث عن ولد. فما كان منها إلا أن حزمت ملابسها القليلة وتركت ابنتيها الصغيرتين عند أخ زوجها وأوصته عليهما وقالت له بأنها تثق بعدله وبأمانته أكثر من ثقتها بزوجها، وأنها سترحل وقد لاتعود. أما البنتان الكبيرتان فقد كانتا متزوجتين، فاستأذنت إحداهما بأخذ طفلها الذي تحبه لكي يرافقها في رحلتها البعيدة.

وقبل غروب شمس أحد الأيام الشتوية حملت الطفل على كتفيها وأمسكت بعمود حديدي طويل تتوكأ عليه ثم سارت نحو قرية ليست بعيدة لكي ترافق المسافرين على سيارة لُوري متّجه صوب بقايا أهلها في الموصل، فقد مات أخوها فهد ولم يبقَ لها سوى أخت تعيش هناك. وفي هذه الرحلة الشاقّة ثمة مواقف كثيرة عاشتها، ربما تتاح الفرصة للحديث عنها على لسان حفيدها الذي رافقها. وقبل أن تنتقل إلى جوار ربها قبل مايقارب من ربع قرن، كانت سمعتها قد ضربت الآفاق في بلاد الجبلين بأنها المرأة الجسورة التي لاترضى بالظلم والهوان على كل بنات جنسها.

9 تعليقات
تنويه: في حال وجود ملاحظة أو اعتراض على أي تعليق يرجى الضغط على (إبلاغ)

 


شكرا ابا طلال على نبش هذا التراث الجميل،وابراز طيبة ونقاء الناس، الذين صورهم الغلاة والصحوجية الي شعب متوحش، لا يأتمن رجل على امراة والعكس بسبب مناهج التخوين والتوحش والكراهية


محمد ناصر
ابلاغ
07:34 صباحاً 2008/08/19

 


قصة مشوقة وفيها سرد جميل
لكن ما معنى بلاد الحبلين؟ في آخر مقطع..
وشكرا جزيلا


أمجد
ابلاغ
09:45 صباحاً 2008/08/19

 


تحية لهذه السيدة القوية الذكية الصبورة المنافحة المكافحة عن نفسها وكرامتها وعن بناتها وبنات جنسها جميعا.
انها ارماة صاحبة مبادىء وقيم قل ان نجد مثلها خاصة في هذا الزمن الذي صارت فيه المراة ضعيفة واتكالية ولا تهتم الا بنفسها بالكثير.


salma
ابلاغ
10:04 صباحاً 2008/08/19

 


قصه رائعه وماضي جميل ماسردته هنا اخي الكاتب
امتعتنا بقرأت مثل هذه النماذج المشرفه من بنات ارضنا
ولكن قد انقرضت مثل هذه الشخصيات في وقتنا الحاضر ومانراه اليوم هي قصص
ضحايا عنف الرجال فكيف بك ايتها المرأه ان تستسلمي لظلم وجبروت ذلك الرجل المريض
من هنا انادي كل امرأه واقول لاترضي بالذل ابداً فمن ترضى بالاهانه مره سترضى مرات؟
واهمس في اذن كل رجل من هذا النوع (اين قول الرسول عنك.رفقاً بالقوارير؟) كلامي خاص لهذه الفئه ومن بهم خير اكثر بكثير ولله الحمد
دمت اخي في حفظ الرحمن


فراوله(*-*)
ابلاغ
12:13 مساءً 2008/08/19

 


شخصية مميزة ليس لكل إنسان شرف معرفتها وفهمها، فهي أكثر عمقا من الكثيرات.
قصة حلوة مع إن نهايتها موجعة بكل مايعرفه الإنسان من ألم.


suzana
ابلاغ
01:47 مساءً 2008/08/19

 


شكرا جزيلا على العرض المشوق والفكرة النابهة الممتعة
تحياتي


أبو وعد
ابلاغ
03:07 مساءً 2008/08/19

 


قصة رائعة ولكن اين الجزء الأول منها؟
مع الشكر


ياسر القرني
ابلاغ
03:18 مساءً 2008/08/19

 


التركيبة فريدة وتسلسل للأحداث متميز السرد، وحملت احداث "قوت" بين طياتها أكثر ماتتحمل من قضاياء اجتماعية مفارقة جبلي أجاء وسلمي ولسان حلها يقول: كم كنت أداوي من كان مجروح و اليوم أدور من يداوي جروحي. قويه جسورة هي قوت لكنها هربت، ذات لسان فصيح سكت عن باطل اتهمت به، لاترضى بالظلم والهوان ورضيت لي ابنتيها الصغيرتين مصير مجهول غير سوي. نتفهم مالم تستطع تحمله آسفين لحالها. لا للعنف كان شعار الجمعية التي شكلتها قوت لعلّ الجزء الأول من القصة ودفاعها عن الرجل "الدخيل" لصح وصف الجمعية بأنها تخص المرأة..


همام العدوي
ابلاغ
10:42 مساءً 2008/08/19

 


.بأنها تخص المرأة فقط. والعنف سواء كان عنفا جسمانيا أو نفسيا أو غير ذلك. قد يكون ضد شريك أو شريكة الحياة أو ضد الأبناء أو ضد كبار السن، و عادة ما يكون الشخص العنيف أقوى جسمانيا من الشخص الآخر كانت عقده القصة الأمس، و وجود أشخاص اليوم يعنون بالسبب والمسبب والفعل ورد الفعل لجبر ماكسر خصوصاً بين شريكين وحل المشاكل من الجذور بكل حيادية وموضوعية لا كلمة حق أريد بها باطل هو مايحتاجه المجتمع من واقع إحصاءات حول قضية الطلاق في مختلف بلادنا العربية.
ما اكرهم الا كريم وما أهانهن إلا لئيم
تحياتي لك..


همام العدوي
ابلاغ
11:19 مساءً 2008/08/19


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية