"أوباما".. ليبرالي..
أم محافظ متشدد؟!
حتى تكون مواقفنا موزونة وغير مندفعة في عواطفها، علينا أن ندرك أن دولاب الحكم بالبلدان المتقدمة في نظمها الديموقراطية، لا يتوقف على رأس هرم الدولة، أو الرئيس، كشأن العالم الثالث الذي يتحكم بمصيره زعيم جاء من ثكنة، أو مصادفة، أو من خلال انتخابات كانت غاياتها تطبيق العدالة والحقوق العامة، ثم ينقلب عليها رأس السلطة بدكتاتورية مطلقة..
بلاشك أن أمريكا صانعة الحدث الذي يراقبه كل العالم، سواء جاء على شكل صرعة في رقصات "مايكل جاكسون"، أو نجومية فنانة، أو لاعب كرة قدم أو سلة، أو حتى الصعود للفضاء، أو انتخاب رئيس جديد يصاحبه اكتشاف علمي مدوّ..
العواطف العربية والإسلامية تعلن تضامنها وتأييدها مع المرشح المنتخب للدورة القادمة (باراك أوباما) على خلفية أنه زنجي من أب مسلم وقد تكون هذه من مفاخر أمريكا أن تكفر عن نفسها في هذا الخيار الذي ظل محرّماً على السود بفصل عنصري في المعاملات والحقوق، والمدارس والجامعات، وأحياء الصفيح وغيرها، غير أن هذا المرشح سوف تتنازعه مواقف لابد أن تكون خلفيتها التاريخية الضاغطة هي محور اتجاهاته..
فالبيض هم وحدهم من يملك المصانع والأموال والمواقع المؤثرة في أجهزة الإعلام ومراكز صنع القرار بما فيها المواقع الحساسة كالجامعات والاستخبارات والجيش وغيرها، وبالتالي فهو مجبر أن يواجه هذه المجاميع بدبلوماسية متوازنة حتى لا يوضع على لائحة الاتهام وفقاً لخلفية اللون المتداخل مع الإسلام، وعلى هذه الصورة يجب أن لا نصدم لو شهدنا (أوباما) أكثر انحيازاً لإسرائيل، وأكثر (براغماتية) مع النزعة المحافظة، بمعنى أن يكون أمريكيا أكثر من الأمريكيين الذين سبقوه على هذا المنصب..
صحيح أنه شابٌ موهوب قادم من قاع المجتمع، وأنه يريد أن يبني مجده باتجاه مغاير لماضي الزنوج وتخلّفهم، ولكن هذه الصيغة لا تبقى تجميلية ما لم يوثق سلوكه تبعاً لرغبة الأكثرية الفاعلة، والقادرة على قلب الموازين، وهذه جزء من أسباب يجب أن لا نعوّل عليها بأنه سيتحول إلى نصير فاعل باتجاه قضايانا، بينما يذهب به الحذر في هذا السباق إلى محاولة الانسلاخ عن أي شيء يربطه بزنجيته أو جذور إسلام أبيه، خاصة أمام وسائل إعلام لها أحكام مسبقة بأن كل مسلم إرهابي، ما لم تتفق القناعات على النفي..
ثم إن الجانب المادي يلعب الدور الأساسي في حركة المجتمع الأمريكي في زيادة الضرائب وانخفاضها، وقضايا الطاقة، والسياسة الخارجية والموقف من بحور الدماء التي تنزف في العراق وأفغانستان، والتسلح الإيراني، والعلاقات مع القوى الصاعدة والمنافسة..
إذن أوباما أمريكي قبل أن تشده جذوره العرقية لأفريقيا أو أن يكون قريب الصلة إلى حد الانحياز للعالم الثالث أو الإسلامي تحديداً، طالما يدرك أن هذا المنصب هو في الغاية والنتيجة يجسد المصالح الأمريكية دون غيرها، وبالتالي فقد يكون هذا الشاب الأسمر القادم للبيت الأبيض أكثر محافظة حتى من المحافظين الجدد في عهد بوش..