بعد الافتتاح الكارنفالي الضخم والمدهش لأولمبياد بكين، والذي استدعى للأذهان مجدداً حضارة هذا الشعب العريق، وعظمته، وإبداعه. بل ومكانته الدولية كعملاق عاقل لم تطغه قواه الهائلة على التوثب لاجتياح الآخرين. هذا الشعب الذي تضرب عاداته وتقاليده في أعماق أعماق التأريخ، لم يتوان وهو يُعاود تجديد هياكله التنظيمية بعد أن قرر أن يفك حصونه أمام العالم بعد مرحلة الثورات الأربع وما إليها، ليقتحم ميادين الاستثمار الاقتصادي والسياحي أن يؤقلم نفسه مع هذا الواقع الجديد وبما يؤهله لأن يكون قبلة للمستثمرين والسياح.
لم يتنطع الصينيون ليقولوا إن هذه هي عاداتنا وتقاليدنا منذ كونفوشيوس، وعلى الآخرين تاليا أن يقبلوا بنا كما نحن أو لا يقبلوا. لقد غيروا ما بأنفسهم فعلا.
كلكم يعرف ماذا حدث؟.. لقد تصدّت الحكومة المركزية، وحكومات الولايات المحلية لجملة من الحملات التوعوية الجادة للمواطنين الصينيين تحثهم على التخلي عن بعض العادات التي قد لا يستمرؤها جمهور الأولمبياد القادم من مختلف الحضارات والثقافات، أو تلك التي قد تصدم البعض، وربما تسبب لهم شيئا من النفور.. ليس هذا فحسب، وإنما ذهبت السلطات هناك وبعد أن لاحظت بعض العبوس على وجوه العسكريين الذين يوفرون الأمن لضيوف الصين، إلى مطالبتهم بأن يرسموا على وجوههم شيئا من الابتسام الذي يبعث على الطمأنينة ولا يُخل بهيبة رجال الأمن، وجديتهم في أداء مهامهم.
لنتأمّل قليلا في هذه التوجهات التي تحدث في بلد له كل تاريخ الصين وحضارة الصينيين، في بلد له كل هذا العمق التاريخي والجغرافي والسكاني، وكيف يؤسس بعناية لخطواته المتئدة لسحب البساط من كل الحضارات الكونكريتية على مختلف الأصعدة بعد أن تخلص تدريجيا من سطوة النظام الشيوعي الشمولي.. وتحديداً بعدما أكدت التقارير تفاعل الجميع مع هذه التوجهات.
وهنا أريد أن أستحضر - ليس على سبيل النكتة.. معاذ الله - تلك الدورة التأهيلية التي نظمتها وزارة النقل فيما أعتقد حين كان اسمها المواصلات لسائقي سيارات الأجرة من السعوديين بعد أن هبّت علينا نسائم السياحة، وبعد أن تنبهت مشكورة إلى أنهم كانوا يُخضعون زبائنهم لمزاجهم في سماع بشير شنان أو فهد بن سعيد، ويفتحون الشبابيك ويُغلقونها وفق رغباتهم وكأن الزبون مجرد قطعة عفش عليهم أن ينقلوها من رصيف إلى آخر وحسب، وأنا على يقين من أن الوزارة لا تملك من المعلومات قيد أنملة عن نتائج تلك الدورة التي لا تزال تدفعنا نحن المواطنين، وكلما نزلنا في أحد مطاراتنا المحلية إلى تحاشي(ربعنا ) والبحث عن أيّ هندي أو باكستاني لنشتري فضيلة صمته على الأقل. ولأن الزاوية لا تستوعب المزيد من الثرثرة لذلك سأنتهي لأقول : إن الصينيين يعملون لتأسيس بنية تنموية جديدة تتفق وتوجه بلادهم الجديد، أمّا نحن فنعمل فقط لرفع العتب(وإلا أنا غلطان )؟.