ديون.. من نوع آخر!
شجون كبيرة تضمنتها التعقيبات التي حظيت بها مقالتي قبل السابقة "كيف نتفادى ساطور الديون؟".. وبما أنني لا أملك أجوبة أمام معاناة الناس مع الديون التي دفعهم إليها لهيب المعيشة المتفاقم في الارتفاع، وليس من اختصاصي مناقشة السياسات المتخذة للتعامل معها.. أكتفي بأن أتوقف عند نقطة معينة ذكرها أحد الأخوة في تعليقه، لأنه رمى الكرة في ملعب المواطن نفسه، ففي رأي - أبو عبد الكريم - أن المسألة سهلة جداً، وليست صنع صاروخ، ولا تحتاج إلى مستشارين ماليين، لأن (واحد مضاف لواحد يساوي اثنين )حين نقنع ولا نطمع، أما عندما نطمع وننجرف مع أحلام اليقظة فعندها ستختلف حسبة الأرقام وتصبح (مائة بدل اثنين )!
باختصار كلام الأخ يؤكد أن أغلب من يقترضون نجدهم في الحقيقة يقترضون بلا ضرورة، وإنما طمعاً بالأكثر، مثل أولئك الذين استقرضوا وباعوا بيوتهم لأجل عيون سوق الأسهم.. ولو أن كل فرد منا مدّ رجليه على قدر لحافه لما اضطر للديون!
قد نتفق مع وجهة النظر هذه، وقد نختلف، وفي الحالتين لابد أن نكون مرنين حيالها بدون تطرف.. كيف هذا ؟
الأحلام ونزوع النفس للأفضل طبيعة بشرية لها العديد من الايجابيات التي لولاها لما تزحزح أحدنا من موقعه الذي كان فيه منذ سنوات.. المهم هو أن نتزحزح للأمام وليس للخلف.. وسيحدث ذلك عندما تكون طموحاتنا مبنية على أساس مدروس، وفق خطة مالية محكمة، لا مجرد خطوات متخبطة تسيّرها الريح وفقاً لتغيراتها العشوائية.
لذا لا ألوم الشباب الذين يلجأون للتقسيط لشراء بيت يسكنونه، أو سيارة يستخدمونها، أو للزواج "شرط عدم البذخ والإسراف"، أو للاستثمار القائم على دراسة جدوى حقيقية.
لكن أتفق معكم بالرأي في أن بعض الديون لا لزوم لها.. فأكبر المصائب أن تستدين لتسافر سياحة، وأن تستدين لتغير أثاث بيتك كل سنة أو سنتين، أو لتغيّر سيارتك كل عام، أو تغيّر جوالك وجوالات أهلك بالسنة عدة مرات.. من الخطأ أن تستدين لتراكم ملابسك وملابس أهلك في الخزائن وهم لن يستخدموها أكثر من مرة، أو لتأكل كل يوم بالمطاعم الفاخرة، وتتفاخر على زملائك وأقربائك بالولائم العامرة التي ترمي معظمها في براميل القمامة.
الكارثة أن العائلات الفقيرة ذاتها لا تعرف كيف تحدد أولوياتها، ولا تعرف كيف تصرف القليل الذي يصلها.. هناك عائلات نكتب عنهم، وحين نعطيهم التبرعات التي استطعنا الحصول عليها، نتفاجأ أنه ولا عائلة منهم فكرت في أن تستثمر جزءاً من المبلغ، ولو كان قليلاً، في تخصيص مصدر رزق لنفسها مثل "بسطة" أو استئجار ركن في سوق شعبي تبيع فيه أي شيء يمدها بإيراد يومي يقيها ذل السؤال!
وهنا يأتي دور الجمعيات الخيرية في تثقيف أفراد هذه العائلات اقتصادياً، وتأهيلهم عملياً ليتعلموا كيف يصرفون وبمَ يستثمرون.. هل أوضحت رأيي ؟ئ؟