تربطني بالدكتور عصام قدس صداقة حميمة وطويلة تمتد لأكثر من ثلاثين عاماً عرفت من خلالها الخلق النبيل الذي يتمتع به في تعامله مع كل الناس مما جعل كل من عرفه يحبه ويثني عليه.
اتصلت عليه هاتفياً على جواله وجاءني صوته متعباً منهكاً فبادرته بالسؤال عن صحته فرد عليّ بأنه أجريت له قسطرة بمستشفى الملك فيصل التخصصي لمعرفة حالة القلب فوجدوه ينبض بالحياة وأخذ يضحك، قلت ولكن يا دكتور عصام القسطرة لا تجهد الإنسان بالصورة التي أسمع صوتك بها الآن، رد عليَّ بأنها "عين ما صلت على النبي" فكثير من الناس قالوا لي أنك تبدو شاباً حتى بعد إحالتك على التقاعد، إنه الحسد، ولا تنسى قول الله سبحانه وتعالى: (ومن شرحاسد إذا حسد) صدق الله العظيم.
وأخذت أمازحه وكان يقابل ذلك بسرعة بديهة كعادته على الرغم من الجهد والمعاناة الظاهرتين على صوته وودعته وأنا في غاية الانشغال عليه.
حاولت في اليوم الثاني الاتصال به على جواله الذي أخذ يرن دون أن يجيب عليه أحد مما زاد من قلقي على الصديق الدكتور عصام قدس، فبادرت بالاتصال بالصديق محمد سعيد طيب "عديله" واستفسرت منه عن الدكتور عصام قدس فرد علي قائلاً: ادع له إنه منوم بالغرفة 411بمستشفى الملك فيصل التخصصي، وفهمت منه بأنه فاقد للوعي من قوله انك لا تستطيع أن تراه ولكن في امكانك أن تسأل عنه من وراء الباب أحد أفراد أسرته، وهكذا فعلت وأنا في أشد الحزن على صديقي الدكتور عصام قدس وعلى باب غرفته علقت لوحة تقول كلماتها "ممنوع الزيارة بأمر الطبيب".
وصلت الدعاء له بالشفاء، ولكن أمر الله نفذ يوم الثلاثاء 5أغسطس من عام 2008م الموافق 4شعبان من عام 1429ه بانتقال الدكتور عصام قدس إلى رحمة الله، وما أن عرفت بالخبر إلا وامتد بي شريط الذكريات معه الذي يثبت بجانب تخصصه في طب العيون أنه يتمتع بثقافة واسعة تجعله قادراً على الخوض في كثير من المناقشات والتعليق عليها بجمل قاطعة تدل على إلمام كامل بكل ما يدور من حوله كنت في سهرة في منزل أحد الأصدقاء وكان معنا الدكتور عصام قدس، وكنت أعاني في ذلك اليوم من زغللة في عيني فشكوت إليه حالتي قال تعال لي غداً صباحاً في المستشفى وأنت صائم قلت أتريد أن تحرمني من العشاء الليلة في هذه السهرة ما رأيك أزورك في المستشفى بعد غد، قال لا غداً "وخير البر عاجله" لأن الحالة كما تبدو لي عاجلة ولا يمكن الانتظار عليها، أطعت أمر الدكتور عصام قدس وذهبت في صباح اليوم الثاني إلى مستشفى العيون وأنا صائم وبتحليل الدم وجد السكر عندي يصل إلى 820، وبعد الكشف على عيني قال الحمد لله العين سليمة، ولكنك يا رضا في حالة طيران إلى الاخرة.. وقام معي وأخذني إلى المستشفى الجامعي وعرضني على الدكتور سراج ميره الذي تولى تنظيم السكر في جسمي وظل الدكتور عصام قدس يمازحني بقوله عني "الحلو المر" يقصد بذلك اصابتي التي اكتشفها بداء السكر.
استطاع الدكتور عصام قدس من موقعه مديراً لمستشفى العيون في جدة أن يوفر لها العديد من الأجهزة الغالية من خلال علاقاته الواسعة برجال الأعمال واستطاع من خلال هذه الأجهزة أن يفتح العديد من أقسام علاج العيون بالمستشفى التي أصبحت بحق تنافس مستشفيات العيون الخاصة لا سيما وأن بها كفاءات عالية من استشاريين في طب العيون ويعترف جميع العاملين بالمستشفى لولا جهود الدكتور عصام قدس كما وصلت مستشفى العيون إلى هذا المستوى الذي وصلت إليه، وقد دفعهم ذلك إلى اطلاق اسمه على القاعة الكبرى بمستشفى العيون، ولا أخفي عليكم بأن زملاء الدكتور عصام قدس كانوا وراء القصة الاخبارية التي تناولتها جريدة المدينة عن إنجازاته بمستشفى العيون التي انفردت بها دون بقية الصحف ثم تبعتها بعد ذلك صحف أخرى، والحق يقال إن الدكتور عصام قدس يستحق أكثر بكثير مما كتب عنه في الصحافة وهو على فراش المرض ويقول زملاؤه الأطباء بمستشفى العيون: كنا نتمنى أن يكون الدكتور عصام قدس في وعيه حتى يعرف ما نقوله عنه وما تقوله الصحافة عن إنجازاته بمستشفى العيون، ولكن قيل ما قيل عنه وهو في غيبوبة.
ذهبت إلى مستشفى العيون يوم الأربعاء ثاني يوم وفاة الدكتور عصام قدس ووجدت المستشفى يحيط بها الحزن وكل الأطباء يتقبلون العزاء فيه منهم من يصفه بالأخ الكبير، ومنهم من يصفه بالأب وكل يجمع بأنه كان يتعامل مع الجميع بأخلاق عالية فيها حزم الإدارة وحُسن الخُلق التي تشعر الكل بصدق الزمالة في العمل وتقديم أفضل العلاج لمرضى العيون.
استطاع الدكتور عصام قدس أن يحصل على الأرض المجاورة لمستشفى العيون بواسطة الأمير عبدالمجيد بن عبدالعزيز رحمه الله، وكان ذلك أمامي شخصياً مع نفر من رواد مجلس الأمير، وكانت النية ولا تزال بناء برج طبي على هذه الأرض يربط بمستشفى العيون الغرض منه تقديم خدمات متميزة لمرضى العيون على آخر مستويات ما توصلت إليه أبحاث الطب للعيون.
يقول الأطباء بمستشفى العيون: سنواصل الجهد لنحقق ما كان يتطلع إليه من إنجازات الدكتور عصام قدس، وان شاء الله سيتم بناء هذا البرج الطبي وإلحاقه بمستشفى العيون لما في ذلك من خدمات جليلة لعلاج العيون.
إن إنجازات الدكتور عصام قدس في مستشفى العيون كثيرة ومتعددة ونسأل الله أن يوفق زملاءه في بناء البرج الطبي الذي كان يتطلع إليه الدكتور عصام قدس مما يدل دلالة قاطعة على ثقافته المتميزة في خدمة هذا الوطن. رحم الله الدكتور عصام قدس وأسكنه فسيح جناته جنات النعيم مع عباده الصالحين التقيين الورعين السابقين البررة.