تصل رسائل بشكل مستمر تنتقد هذه الزاوية وتصفها بالغريبة والجريئة والاستفزازية. وهذا غير صحيح بالنسبة لي على الأقل لأن الطريقة الحذرة في الكتابة، وإعادة صيغ الجمل حتى تلائم معايير النشر تجعل تهمة الاستفزاز والجرأة (مثل هذه المفاهيم مطاطية ومرهونة بالشخص) مسألة غير صحيحة.
ولكن هل يجب أن تكون هناك ردود فعل غاضبة من هذه الزوايا الصحفية فعلاً؟!. هذا الأمر يشبه الغضب من شخص سيموت قريباً. فالزاوية الصحفية مهما كانت لامعة فهي حتما في طريقها للموت، والكاتب الصحفي مهما كان متألقاً فإنه يفقد بريقه ولمسته مع مرور السنوات. قلة هم الكتّاب الذين يبقون متوهجين على مدار سنوات طويلة .ولكن من المفيد بالنسبة للغاضبين توجيه هذا الغضب ليس إلى الزوايا الصحفية "المستفزة" ولكن إلى التوجهات الجديدة والمتنوعة داخل المجتمع السعودي والتي يبدو أنها في تزايد مستمر.
مثل هذه التوجهات الجديدة في الآراء والسلوك تبدو أكثر جرأة مما يكتب في الزوايا الصحفية، بل إن الزوايا الصحفية تحاول أن تجاريها وتفشل في أحيان كثيرة .الحوارات المفتوحة والعلنية التي تجري بين مجموعات الشباب بين بعضهم هي أكثر جرأة واستفزازية من أي مقال يمكن أن نقرأه في الصحف.هناك الكثير من العناوين التي يمكن أن نذكرها هنا ولكن لا أحد من الكتاب قادر على الكتابة عنها. لا أحد في الصحف قادر على دعوة الشباب لوضع قصات شعر غريبة وجديدة أو الطلب من الفتيات أن يخرجن وحيدات أو يقدن السيارات (كما أصبح ظاهرة منتشرة الآن)، ومع ذلك فهذا ما نشاهده في واقعنا الآن بشكل مستمر ومتزايد. الكتابات الصحفية بالمقارنة بما يفعله المجتمع تبدو في غاية الأدب. ولكن الأهم أن تأثيرات هذه التوجهات الجديدة على المجتمع أهم بكثير من تأثير زاوية صحفية لا يقرأها إلا بضعة آلاف.
أهم التغيرات في المجتمع لم تأت من الصحافة أو الإعلام عموماً (الصحافيون والكتاب دائما ما يبالغون بتقدير حجم أنفسهم وتأثيرهم) بل جاءت في أحيان كثيرة على عكس رغبتها. الصحافة دائما ما تطالب بطريقتها الوعظية المملة بأن يعود المجتمع للماضي ولكن لا أحد يستمع لها. هناك عشرات المقالات والتحقيقات التي طالبت الشباب بعدم لبس الجينز أو حتى أكل الوجبات السريعة مثلاً ولكن الغالبية الآن ترتدي الجينز ومدمنة على الهامبورجر. عشرات المقالات والبرامج طلبت منهم عدم السماع للأغاني ولكنهم الآن يسمعون حتى أغاني الهيب هوب (تنتشر الآن اغنية هيب هوب سعودية لفنان اسمه قصي) . إذن فإن المجتمع هو الذي يدفع نفسه للأمام وهو أكثر جرأة وتقدمية من ما يكتب في الصحف أو يذاع في البرامج التلفزيونية.
كل هذه تعكس الروح الجديدة والمتعددة والحرة التي تمر بها حياتنا الاجتماعية والتي تنتج هذا التنوع من الأفكار والآراء والأنماط السلوكية الحديثة . ومن المثير أن هذه الروح الجديدة لا يمكن قمعها كما يمكن أن يحدث مع مقالة صحفية، ولا يمكن أيضا أن تموت، كما هو مصير غالبية الكتاب الصحفيين. بل إنها تتطور وتدفع لمزيد من التقدم، وعلى عكس الصحافة التي تمر بموجات متقلبة من الحرية، فإن المجتمع الآن يسير بطريقة منتظمة نحو حريات أكبر . الصحف المميزة الآن هي التي تلاحق تغيرات المجتمع وتحاول أن تواكبها وتفسرها .ولنتذكر أن الصحف أو التلفزيونات (تذكروا القناة الأولى) التي تتراجع عن مواكبة المجتمع يتم تجاهلها سريعاً.
والأكثر إثارة من ذلك أن مثل هذه الآراء والسلوك غير مرتبط بالأفراد أو المؤسسات كما هي الحال في الصحافة، لذا فإن مسألة تطورها وازدهارها هي مسألة مرتبطة بحتمية ازدهار وتطور الإنسان نفسه. أي أن الغاضبين من كل هذه الظواهر الجديدة التي يعتبرونها مستفزة وجريئة وغريبة لن ينتصروا عليها في النهاية، كما يمكن أن يحدث مع كاتب رأي، يمكن أن يوقفوه ببعض الضغوطات والاعتراضات المستمرة أو أن يمل أو يبهت قلمه.
إن الشابة السعودية التي تسافر مثلاً وحيدة للعمل في الخارج قد يرى الكثيرون مثل هذا الأمر مستفزاً لهم وعملاً جريئاً ولكنهم مع ذلك غير قادرين على منعها من ذلك . كما أنهم يخسرون وهم يرون عدد الفتيات السعوديات اللاتي يعملن في الخارج يتزايد باستمرار.
كيف تواجه مثل هذه التغيرات الاجتماعية الكبيرة؟!. ليس هناك بريد خاص بالمجتمع يمكن أن تصل إليه الرسائل الغاضبة من تصرفاته الجريئة والمستفزة تؤدي إلى ردعه .لهذا فإن أفضل طريقة لمواجهة هذه التغيرات هي مواكبتها والتوقف عن اعتبارها استفزازية .المرونة العقلية والانسجام مع المتغيرات ورؤيتها بطريقة إيجابية كلها وسائل تساعد الغاضبين على التخلي عن غضبهم، ويصبحوا مؤثرين. والأهم من ذلك أنهم لا يقدمون بدائل حقيقية للمجتمع.لو كنت أحد المعترضين والغاضبين من التغيير لتزودت بحس أكثر واقعية، وحاولت أن أقدم رؤية أكثر تماشياً مع قيم وتوجهات المجتمع الجديدة. أما الاعتراض بشكل كامل وبدون أي بدائل حقيقية (ولا أتحدث عن بدائل مثل قناة المجد مثلاً) كما يحدث الآن، فلا يعني فقط أنهم سيكونون غاضبين ومعترضين بل وحمقى أيضاً. إذا أردت أن تحرمني من قيادة سيارة لكزس فأعطني بدلاً منها سيارة مقاربة لطرازها، ولكن لا تعطني حماراً. وعلى كل حال لا ترسل رسالة غاضبة إلى كاتب صحفي لا يقدم ولا يؤخر.