في فجر الرابع من آب أغسطس، رحل الكسندر سولجينيتسين (Alexander Solzhenitsyn)، الأديب والمفكر، الذي وهب حياته دفاعاً عن الإنسان وكرامته. لقد قاوم سولجينيتسين التوليتارية الشيوعية، مجسدة بحكم جوزيف ستالين الدموي، وارتبطت كتابات سولجينيتسين بتطلعات شعبه، ومعاناته التي عاش بعضاً من فصولها القاسية، في معسكرات العمل القسري، وفي منفاه القسري أيضاً.
ومن أصل ثماني سنوات قضاها متنقلاً بين معسكرات السخرة، قضى سولجينيتسين ثلاثة أعوام في كازاخستان، تعرف خلالها عن قرب على معاناة مسلمي آسيا الوسطى في ظل الاستبداد السوفياتي. وهناك أيضاً بنى أفكار روايته "يوم في حياة إيفان دينيسوفيتش" (One Day in the Life of Ivan Denisovich )، التي نالت شهرة واسعة النطاق.
وسولجينيتسين، ابن البلدة القوقازية، هو أحد رواد ما يعرف بأدب الغولاغ، وهو أدب شبيه بذلك الذي ظهر في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة. وأول رواية شاهدة على ذلك هي "الدكتور جيفاكو" (1957) لبوريس باسترناك ( 1890 1960)، التي أحدثت ضجة كبيرة في الاتحاد السوفياتي، وأهّلت كاتبها لنيل جائزة نوبل للآداب في العام 1958وهناك أيضاً "حكايات الكوليما" (1978)، لفارلام شالاموف، وهي سيرة ذاتية لكاتب سُجِن 21عاماً في المعتقلات الستالينية، قبل أن يموت في مصحة للأمراض العقلية.
وإضافة إلى رواية "يوم في حياة إيفان دينيسوفيتش"، فإن أدب الغولاغ يظهر بأوضح صوره في كتاب سولجينيتسين "أرخبيل الغولاغ"( The Gulag Archipelago)، الذي قدم فيه الكاتب تجربته الشخصية في معسكرات العمل القسري الستالينية.وحسب ما يذكر النقاد الروس، فإن سولجينيتسين كان في الأصل معارضاً لنشر مذكرات حياته، إلا أن السيدة لودميلا ساراسكين، مؤلفة سيرته الذاتية، نجحت في إقناعه بضرورة أن يتعرف الناس على تفاصيل رحلته في الحياة، وطبيعة المعاناة التي عاشها، لتدرسها الأجيال، وتحلل معها التاريخ، فتستخلص عبره ومعانيه.
وقبل ولادة سولجينيتسين بستة أشهر في العام 1918، لقي والده، ضابط المدفعية في الجيش، مصرعه في حادث عرضي أثناء رحلة صيد، بعد عودته من جبهة القتال في الحرب الألمانية. فولد سولجينيتسين يتيماً ليعيش في كنف أمه.
وكتب سولجينيتسين في صباه بعض القصص، التي كشفت ميوله الإبداعية المبكرة. وفي العام 1941، أكمل الشاب دراسته في تخصص الرياضيات.والتحق سولجينيتسين بالجيش السوفياتي، وتولى منذ كانون الاول ديسمبر من العام 1942قيادة بطارية الاستطلاع الصوتي، كما حارب الفتى في مختلف الجبهات. وفي آب أغسطس من العام 1943منح وسام الحرب الوطنية من الدرجة الثانية. وواصل المشاركة في الحرب حتى شباط فبراير 1945، حينما اعتقلته السلطات السوفياتية، بعدما كشفت الرقابة العسكرية إحدى مراسلاته التي تضمنت تعليقاً لاذعاً على ستالين، وصفه فيه بصاحب الشارب الطويل.وحكم حينها على سولجينيتسين بالسجن ثماني سنوات، والنفي مدى الحياة. وقد أمضى جزءاً من فترة محكوميته في معهد للبحوث العلمية، حيث كان السجناء يصممون ويصنعون الوسائل السرية للاتصال الهاتفي.
ومع وصول الزعيم السوفياتي نيكيتا خروتشوف إلى مقاليد السلطة، بدا ثمة هامش من الحرية قد أتيح لسولجينيتسين، رغبة من خرتشوف في إظهار عيوب سلفه ستالين. وفي الثالث من شباط فبراير 1956أعفت المحكمة السوفياتية العليا الأديب الروسي من عقوبة المنفى. وبعد عام، برأته من كافة التهم الموجهة إليه. ولاحقاً، دفعت سلطات خروتشوف باتجاه نشر رواية سولجينيتسين "يوم في حياة إيفان دينيسوفيتش"، وكان ذلك في تشرين الثاني نوفمبر من العام 1962وكان الهدف من هذه الخطوة إطلاع الرأي العام السوفياتي على فظائع عهد ستالين الدموي. وحسب بعض النقاد الروس، فإن الكاتب الروسي، الكسندر تفاردوفسكي، الذي كان رئيساً لتحرير مجلة "نوفي مير" (Novy Mir)، قد لعب دوراً بارزاً في دفع سلطات خروتشوف لاتخاذ هذا القرار، الذي عد قراراً تاريخياً بامتياز؛ حيث احدثت رواية "يوم في حياة إيفان دينيسوفيتش" انقلاباً حقيقياً في الحياة الفكرية والأدبية في البلاد السوفياتية.وفي الأعوام التالية، قامت مجلة "نوفي مير" ذاتها، بنشر أربع من قصص سولجينيتسين، وبقية مؤلفاته. ومنها روايته "جناح السرطان".
وعلى الرغم من ذلك، فإن سيطرة فريق ليونيد بريجنيف على مقاليد الحكم في موسكو قد جلبت مجدداً المعاناة لسولجينيتسين، حيث عادت السلطات السوفياتية لتشدد الخناق عليه. وفي العام 1969فصل سولجينيتسين من اتحاد الكتاب السوفيات. وعندما فاز بجائزة نوبل للآداب في العام التالي، رفضت السلطات السوفياتية السماح له بالسفر الى ستوكهولم لتسلّم الجائزة، لكن سولجينيتسين تمكن من تسريب رسالة إلى الأكاديمية السويدية، سطر فيها مثلاً روسياً يقول: "كلمة حق تفوق عالماً بأكمله".
وفي العام 1973، عادت أجهزة الأمن السوفياتية لاعتقال سولجينيتسين، واتهمته بالخيانة العظمى. وفي السنة التالية، نفيّ الأديب الروسي محمولاً على متن طائرة متجهة إلى ألمانيا الغربية. وفي وقت لاحق، التحقت به زوجته وأطفاله.وأقام سولجينيتسين بداية في زيوريخ، لكنه ما لبث وانتقل إلى الولايات المتحدة، حيث أنجز هناك كتاب ذكرياته، الذي حمل عنوان "صراع العجل مع شجرة البلوط".
وبالعودة إلى مؤلفات سولجينيتسين الأدبية، تشير الكتابات الأساسية حول سيرته إلى أنه بدأ النشاط الأدبي في فترة مبكرة من حياته، حيث خطرت له فكرة تأليف كتاب عن الحرب العالمية الأولى، منذ العام 1937، لتتجسد بعد ذلك في روايته الشهيرة "العجلة الحمراء".
وفي روايته "يوم في حياة إيفان دينيسوفيتش"، قص سولجينيتسين تفاصيل حياة نجار وجد نفسه وسط معسكرات العمل القسري الستالينية، حيث المعاناة الفظيعة، من المجاعة والبرد القارس، والاجراءات العقابية القاسية، من دون أن يعلم سبب اعتقاله. وقد قال سولجينيتسين عن تلك المعاناة بأنها أوصلت متوسط حياة هؤلاء العمال، الذين كانوا يعاملون كالعبيد، إلى شتاء واحد فقط.
وفي رواية "الدائرة الاولى"، وصف سولجينيتسين الفترة التي قضاها في معسكر عمل خاص، جُمعت فيه النخبة للاستفادة منها في مجال البحوث، وتحدث عن معاناة نخبة قدر لها أن تموت موتاً بطيئاً.وكانت آخر اعمال سولجينتسين رواية "مئتا عام"، التي نشرت في العام 2000، حيث تناول فيها اليهود في المجتمع الروسي.
ومع وصول ميخائيل غورباتشوف إلى هرم القيادة السوفياتية، انفتح الطريق أمام سولجينيتسين للعودة إلى وطنه، وسمح بتداول كتبه، كما أعيدت له جنسيته السوفياتية التي جرد منها في العام 1974وتم البدء بنشر مؤلفات سولجينيتسين مجدداً في بلاده منذ العام 1989؛ فنشرت مجلة "نوفي مير" فصولاً من كتاب "أرخبيل الغولاغ". ثم نشرت مقالته الشهيرة "كيف نعيد بناء روسيا" ب 27مليون نسخة، وزعت في عموم الاتحاد السوفياتي.
وفي أيار/ مايو من العام 1994عاد سولجينيتسين إلى وطنه مرة أخرى، حاملاً خمسة وسبعين عاماً من العمر، والكثير من آمال شعبه وتطلعاته. وفي العام 1997، استحدثت الجائزة الادبية السنوية لسولجينيتسين، التي منحت إلى مشاهير العلماء والكتاب والمبدعين.وقد قال ميخائيل غورباتشوف عن سولجينيتسين، إثر وفاته، إن كتبه ساعدت الناس على رؤية الوجه الحقيقي للنظام الستاليني. و"علينا أن نكون شاكرين لسولجينيتسين على مساهمته في إحلال الحرية والديمقراطية في بلدنا". وقال غورباتشوف إن سولجينيتسين "شخصية عظيمة، كانت في مقدمة من رفعوا الصوت احتجاجاً على نظام ستالين، ذوداً عن الناس الذين عانوا من شراسته".
أما رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين، الذي قلد الأديب وساماً رفيعاً في العام 2006، فقد قال عن سولجينيتسين بأنه "سيبقى عالقاً في ذاكرتنا كشخصية قوية وشجاعة، تتحلى بكرامة إنسانية عظيمة". ومن جهته، امتدح نائب رئيس مجلس الافتاء الروسي، دامير عزاتولين، الأديب سولجينيتسين بالقول: "كان المسلمون يعتبرونه وسيعتبرونه إنساناً عظيماً، ذاد عن كرامته في أصعب الظروف.. وهذا دليل على ضرورة أن يبقى الإنسان إنساناً، ويكافح من أجل نيل حقوقه، فقد كان مثالاً لكيفية الكفاح والعيش، وبذل الجهد الجهيد".
بقي أن نشير إلى أن سولجينيتسين قد فاجأ الغرب، عندما قال في خطاب له في هارفارد، في العام 1978، إن "الديمقراطية التعددية الغربية" لا تصلح نموذجاً لكافة الدول، وأن الثقافات المحلية تفرض نفسها بالضرورة على خيارات الأمم والشعوب. كذلك، انتقد سولجينيتسين عهد الرئيس الروسي يلتسين، ورأى فيه إبعاداً لروسيا عن جذورها. ورأى سولجينيتسين أن الهرولة نحو ثقافة الآخر لا تعني سوى إذابة الذات والبقاء في العراء. ورأى أن سياسات يلتسين أضعفت روسيا وأفقدتها هيبتها أمام منافسيها، وأمام المجتمع الدولي عامة.ولهذا السبب امتنع سولجينيتسين عن استلام وسام رفيع كان يلتسين يعتزم تقليده إياه.
وما يمكن قوله خلاصة، هو أن سيرة سولجينيتسين توضح بجلاء أن المثقف لا بد أن يبقى ملتصقاً بهموم أمته وقضاياها الكبرى، وأن لا يخاطب الناس من بروج عاجية، ولا يقدم لهم الغث من الحديث، أو يلهيهم بما لا ينفع من القول. وعليه أن يكون عوناً لأمته لا عبئاً عليها.