ندما عادت المعلمة إلى عملها بعد عدة أيام من تغيبها عن العمل إجبارياً بسبب وفاة ابنتها.. كانت المفاجأة غير المتوقعة بانتظارها في المدرسة !!
فبعد الاستقبال وكلمات العزاء والرثاء التي قوبلت بها المعلمة في المدرسة من الإدارة ومن المعلمات ومن الطالبات.. وبعد ذلك كانت المفاجأة بانتظارها حيث سلمتها إدارة المدرسة إشعار حسم من مرتبها لغيابها عن المدرسة لمدة أربعة أيام ؟! وهي عدد أيام العزاء التي غابتها إجبارياً... حينها كانت الدهشة والاستغراب على المعلمة بدرجة لا يمكن قياس حجمها وآثارها في تلك اللحظة ؟!
طبعاً الخبر.. والموقف على قدر كبير من المفاجأة للقراء ولمن سبق لهم الاطلاع على الموقف وعلى أقرباء وأسر المعلمة التي توقعت أن في حضورها للمدرسة مبكراً واختصار أيام العزاء هو خير سلوان لها في مصابها في فقدان ابنتها !! وأنها ستلقى الشكر والتقدير من الإدارة !!
إدارة المدرسة ومن تبريرها للموقف تقول إنها تطبق النظام نصاً ومضموناً لا تملك حق الخروج عن ما ورد في نصوص النظام ولم تجد إدارة المدرسة في مواد النظام ما يعطي هذه المعلمة الحق النظامي في الغياب عن العمل في مثل هذه الظروف ؟! ولذلك رأت إدارة المدرسة أنها بعد أدت الواجب الإنساني تجاه المعلمة وعندما قدمت لها التعزية في المنزل فالواجب الرسمي والنظامي يلزمها أيضاً بتطبيقه فيما بعد ... عندها أصدرت بحق هذه المعلمة قرار غياب تخلفها عن الحضور للمدرسة لعدة أيام هي أيام العزاء ؟
من المؤكد أن نسبة كبيرة جداً من القراء ستتعاطف مع المعلمة وستلقي باللائمة الكبرى على إدارة المدرسة من مبدأ أنه كان من الواجب على إدارة المدرسة تقدير وضع المعلمة خاصة في مثل هذا الظرف العصيب وأن تتغاضى عن غيابها لمدة أيام العزاء.. لكن !! الفيصل في مثل هذه المواقف هو النظام وهو الذي يتحمل اللائمة الكبرى في حدوث مثل هذا الوضع.. فإدارة المدرسة من مبدأ رسمي تطبق النظام.. لذلك فالنظام أغفل عمداً مثل هذه الحالات التي تعطي للموظف أو للموظفة خلالها إجازة لوفاة أو مرض أحد أقاربه وفق تقنين منظم لوضع كل حالة.. فالنظام سمي نظاماً لذلك يفترض أنه ينظم كامل صور العلاقة بين الموظف والعمل في شتى المجالات والحالات دون أي نقص ولا يجب أن تترك مثل هذه الحالات للظروف التي من المؤكد أنها ستستغل كثيراً وستتباين حينها حالات التعامل مع هذه المواقف من حالة لأخرى والمتضرر منها إما الموظف نفسه أو العمل والمصلحة العامة ؟! لذلك نرى أن هناك موظفين أعطوا لأنفسهم الحق في التغيب عن العمل لظرف مماثل ليس لأيام فقط بل لعدة أسابيع وأحياناً لعدة أشهر !!
هذا الموقف يطرح تساؤلا جديراً بالاهتمام عن حاجة معظم أنظمتنا المختلفة إلى إعادة مراجعة وتطوير بما يتلاءم مع تطورات المجتمع وظروفه في ظل مراعاة كاملة للمصلحة العامة وتحقيق العدالة للجميع.. فكل حدث وكل موقف يطرح تساؤلاً ويقدم علامات استفهام لا يتم حله إلا بالطرق الودية وبالمجاملة والفزعة وما إلى ذلك ؟
على كل الإجراء النظامي الذي اتخذته إدارة المدرسة مع المعلمة إجراء يذكرنا بما هو متبع في الدول المتقدمة من أنظمة لا تجامل أي مناسبات ولا اي ظروف ولا اي أشخاص مهما كانت صفاتهم الاجتماعية أو الرسمية فالنظام نظام.. حقك تأخذه كاملا وتعطي ما عليك كاملا دون أي مجاملات ولو طبق هذا المبدأ لدينا في كل الظروف والمناسبات وبالصورة والجدية التي جاء بها لكان الوضع لدينا وضعاً مختلفاً كلياً.. وهو وضع نراه في تلك الدول المتقدمة ونحلم دوماً بتطبيقه !!؟؟