في أعقاب عرض المسلسلين التركيين تواترت الأنباء الصحفية عن ارتفاع نسبة تسمية المواليد ب (لميس ومهند)، كما تواترت الأنباء أيضا عن ارتفاع حظوظ تركيا على قائمة دول الاصطياف بشكل غير مسبوق، طبعاً للقادرين على هزيمة أزمة الغلاء بانتفاخ محافظهم، وفي هذا الإطار تعالت الأصوات بين من يصف المجتمع المحلي بأنه مجتمع هش، وقابل للتأثر ولو من خلال مسلسل، ومنكر لهذه الثقافة الجديدة التي جلبت إلينا وجه تركيا العلماني رغم حكومتها الإسلامية، وتفاقم أزمات العلمانيين فيها مع قضايا الحجاب والأحزاب ذات الطابع الإسلامي التي احتكرت الحكم والرئاسة كما لم يحدث من قبل .
وبعيداً عن هذه القضية، وما فعلته لميس في نفوس الرجال، وما فعله مهند في نفوس النساء .. هنالك في تقديري حلقة مفقودة في قراءة هذا الواقع الذي يعيشه مجتمعنا منذ أن وجد نفسه خلال السنوات القليلة الماضية عارياً أمام هذا الكم الهائل من الضخ الإعلامي والاتصالي بما يفوق احتماله ووعيه، وحتى قبل أن يقطع حبل السرّة عن قوانين الوصاية الفكرية والثقافية، والفرز الذي يليق، والذي لا يليق.
كانت الصيغة القائمة قبلئذ هي صيغة الخصوصية، وقد رضعها المجتمع مع حليب مناهجه ومواعظه، ومع كل ما يُضخ فيه من ثقافة حتى صدّقها كما صدّقها مروجوها، وفي هذه الأثناء، وحتى قبل أن تظهر على السطح ملامح المجتمع التقليدي ولا أقول الطبيعي. لأن المجتمع الطبيعي هو ذلك الذي ينمو ويتطور في الظروف الطبيعية كأي مجتمع يُمكن أن تجده في أيّ مكان، ويُمكن أن يُؤثر ويتأثر بمن حوله، في حين تسيطر على المجتمع التقليدي حصاناته الخاصة من العادات والتقاليد إلى أن تجد من يخترقها أو يدمّرها.
كان المجتمع قبل انبعاج الفضاء على ثقافات الكون كله يعيش في مأمنه الذي اختير له، ولم يكن أكثر المتشائمين يرى ما يدعو للريبة أكثر مما كان يُسمى وقتها بالغزو الفكري، القادم من خلال الورق كوعاء وحيد قابل أن يلعب دور حصان طروادة في تلك المؤامرة، فكان أن حوصر الكتاب بنفس الضراوة التي حوصرت بها المخدرات إن لم يكن أكثر. وما كان للوعي السائد وقتها أن يتصور كل هذه التقنيات التي وضعت العالم حسنه وقبيحه على مرمى سماعة أذن، وشاشة نت أو تلفزيون. أو رسالة نقال أو بلوتوث. ما جعل منه أكثر المجتمعات قابلية للامتصاص، بعد أن ساهمنا في صناعة المجتمع/ الاسفنجة المتعطش دائما للاستلاب والاستهلاك. حتى ثقافة الأندومي التي استبدلت وجبة العائلة بالأطباق الطائرة وجدت مكانها فيه !.
هذا على صعيد الرسائل الساذجة والأولية .. التي تستطيع أن تكشف حجم الهشاشة، فكيف إذن هي الحال مع الرسائل المؤدلجة؟.. أرجوكم تنازلوا عن كبريائكم واسألوا وأجيبوا.