د. محمد عبدالرحمن الشمري
في مقال نشر في هذه الصحيفة عام 2007م تحت عنوان (مستقبل منظمة التجارة العالمية) توقعنا جمود مفاوضات التجارة، أو انهيارها، بسبب اختلال التوازنات في المنظمة، وشعور القوى الاقتصادية العظمى أن النظام التجاري متعدد الأطراف يسير في اتجاه لا يلبي طموحها.
فانهيار محادثات جنيف الأسبوع الماضي خير دليل على اتساع الفجوة بين وجهات النظر المتناقضة، ويبدو أن الدول النامية مدعومة في الصين بعد انضمامها لمنظمة التجارة العالمية، بدأت تكفر عن خطئها الجسيم عندما قبلت إطلاق مفاوضات جولة أوروجواي للمفاوضات متعددة الأطراف التي انتهت بإعلان إنشاء منظمة التجارة العالمية، وألزمت نفسها بقيود وتعهدات في مجالات واسعة في التجارة والخدمات والملكية الفكرية دون أن تمتلك الإمكانات التي تضعها في حالة من التوازن مع الدول المتقدمة، وأحرجت بقية الدول النامية الأخرى التي لم تنضم بعد للمنظمة بأن أصبحت شروط الانضمام أكثر صعوبة وتعقيداً.
إن فشل المفاوضات في دفع (أجندة الدوحة) للامام يعكس عدم رغبة بعض الدول الصناعية الكبرى تنفيذها وإن وقعت على البيان الوزاري لمؤتمر الدوحة. فهي لها أجندتها الخاصة الرامية إلى تحقيق مكاسب خاصة بتحرير تجارة الخدمات قبل أن تنفذ التزاماتها فيما يتعلق بقطاع الزراعة، وهو الخط الأحمر لدى هيئات المجتمع المدني وشريحة عريضة من الناخبين في تلك الدول يحضر الاقتراب منه. ولذلك، أصبح التركيز على اتفاقيات التجارة الثنائية، وترك قاعات المنظمة للمناورات التفاوضية، والعراك الكلامي بين المفاوضين، إلا إذا نتج عن هذا العراك ما يخدم مصالح الأطراف المتنفذة.
وبصرف النظر عن تداعيات انهيار المفاوضات على الأسعار العالمية للسلع الغذائية، فإن تجميدها، أو توقفها عند مستوى الالتزامات والاتفاقيات الحالية، يصب في مصلحة الدول المنظمة حديثاً، كالمملكة، لاستيعاب الالتزامات، وتقدير أولويات المصالح للعمل على تنفيذ ما يخدمها، وتعليق أي تعهد لا يتوافق وسير مفاوضات التجارة المتعددة الأطراف المتعثرة الآن حتى تلتزم بقية الأعضاء بتنفيذ أجندة الدوحة.
كما يتعين فهم المواقف المتناقضة في إطار المنظمة، والوقوف بجانب الرؤى التي تتفق ومصالحنا سواء كانت تمثل وجهة نظر الدول النامية أو المتقدمة. والاستعداد جيداً لتطورات المفاوضات لبلورة مواقف محددة تجاهها.
ولعلنا بحاجة إلى تكريس ثقافة (اتفاقيات التجارة متعددة الأطراف) عن طريق تدريسها في كليات الأنظمة والاقتصاد، لإيجاد صف ثان من المفاوضين والقانونيين الذين يستطيعون التعبير عن مصالح وطنهم والدفاع عنها في هذه المنظومة شديدة التعقيد في نظامها وآلية عملها. ولمجابهة التحديات في إطارها التي يديرها أشخاص على درجة عالية من المهارة والتأهيل والخداع.