الخميس 6 شعبان 1429هـ -7 أغسطس2008م - العدد 14654

مذكرات سينمائي:

كذبت في الراديو، فخلدتني السينما

إعداد- عبدالله آل عياف:

    سأحدثكم عن موقف لن أنساه ولن تنساه أمريكا كلها عندما كنت أقدم برنامجي الأسبوعي في إذاعة (دراما راديو أمريكا)، نعم راديو، ولمعرفة علاقة الموضوع بالسينما عليكم أن تستمعوا لهذه القصة.

في ليلة الثلاثين من أكتوبر 1938م قررت أن أداعب الجمهور بمزحة ثقيلة فقررت طرح الحلقة الإذاعية الدرامية التي خصصت لرواية "حرب العوالم" بطريقة مختلفة. لم أبدأ البرنامج بسرد للرواية كما قد يفعل أي إذاعي آخر.. لا، بل بدأته بتقارير ومراسلين كنت قد جهزتها سابقاً ليتحدثوا وينقلوا ما يحدث أمامهم على الواقع، بدأ المراسلون يصفون تلك الأطباق الدائرة وهي تهاجم الناس العاديين في المدن الأمريكية الكبرى! فهذا مراسل يصرخ: "يا إلهي، لقد بدأت الأطباق -وهي كائنات فضائية خضراء- بمهاجمة الناس بغازات سامة وأشعة ليزر مميتة!".

لقد خططت للحلقة لكي تظهر بشكل واقعي تماما، وعندما أجبرني منتجو البرنامج في الدقيقة الأربعين من البث أن أعلن للمستمعين أن هذا تمثيل لم أكن أعلم بأن مئات الآلاف من البشر قد أصابهم الهلع وهجر بعضهم المنازل هربا من هجوم المركبات القادمة من كوكب المريخ!.

إحصائية ما تقول أن ستة ملايين مستمع ومستمعة تابعوا البرنامج، 1.7منهم صدقوا الخدعة تماماً و 1.2منهم هلعوا رغم عدم التصديق! وخلال الشهر الأول بعد الحلقة تم نشر أكثر من إثني عشر ألف وخمسمائة مادة صحفية حولها! بل إن أدولف هتلر نفسه استغل القضية وكتب بيده عبارة حول أن هذا الموقف دليل على خطورة الديمقراطية على الشعوب!.

رغم الضجة الإعلامية التي تزعمتها الصحف (ربما للإضرار بالمنافس الجديد لها المدعو راديو) إلا أن شركتنا الإذاعية لم تدان بأي من القضايا ضدها لأننا ذكرنا تنبيهات قليلة (قبل البرنامج وفي دقيقته الأربعين وبعده) وإن كنت مقتنعاً بأننا وضعنا تلك التنبيهات بذكاء بحيث يبقى المستمع مرتبكاً حول حقيقة الأمر.

شهرتي السريعة والإثارة التي تسببت بها جعلت شركة الإنتاج السينمائي (آر كي أو) تقدم لي عرضاً لا يقاوم. أن أكتب وأخرج فيلماً سينمائياً بميزانية شبه مفتوحة وهو الأمر الذي لم يكن ليتوفر لكبار مخرجي تلك الأيام! أبواب هوليوود تشرع أمامي باتساع في فيلمي الأول؟ وبفضل تلك الحلقة الإذاعية بدأت تصوير فيلم "المواطن كين" الذي سيعرفه العالم لاحقاً كأحد أفضل الأفلام الأمريكية على الإطلاق والأول في قوائم العديد من المخرجين والجمعيات السينمائية حول العالم، يا لها من كذبة بيضاء.. هائلة!.

أورسن ويلز - مخرج سينمائي أمريكي