
رغم مرور ما يقارب السنة على رحيل عميد السينمائيين الأفارقة "عثمان سمبين"، مازال الحديث عنه وعن إبداعاته وكذا عن مشوار حياته المتشكل من الجندية والنضال النقابي من جهة ومن الكتابة والسينما يثير الكثير من الإعجاب والإنبهار لهذا العراب الذي اختار دراسة السينما في موسكو في سن الأربعين مؤمنا بهذا الفن الذي سيحول بعض كتاباته الأدبية إلى تجسيد بالصورة والصوت ليحكي عن بلده السنغال وعن آلامها ومشاكلها بشكل يجعل الأجيال التي تليه والحالية تحاول السير على نفس الطريق الذي اختاره "عثمان سمبين" لعيش تجربته السينمائية الفريدة التي راكمت الكثير من التحديات. فقد بدأ الرجل جنديا في صفوف الجيش الفرنسي وبعدها اختار الرجوع إلى السنغال، وبعد فترة قصيرة رجع إلى فرنسا ليمتهن عدة مهن متنوعة، ثم انتظم في صفوف النقابة العمالية في فرنسا مستنكرا الحرب في الهند الصينية وتجاوزات الاستعمار في الجزائر، وفي أواسط الخمسينات توجه للكتابة حبه السرمدي، وبعدها اختار دراسة السينما ومنها الاشتغال في ميدان الفن السابع.
ويعتبر فيلم "الحوالة" 1968واحدا من الأفلام التي أرخت لاسم "عثمان سمبين" كواحد من السينمائيين العظماء الذين أنجبتهم القارة السمراء. الفيلم باختصار شديد يحكي عن رجل في قرية نائية في السنغال، يتلقى حوالة مالية من أخيه المهاجر في فرنسا، يحاول صرف المبلغ المحول ولكن للأسف لا يملك بطاقة هوية، وللحصول عليها كان عليه أن يمر بعدة مراحل ستعرضه للنصب والاحتيال، خصوصا بعد معرفة الناس بخبر الحوالة القادمة من فرنسا. لقد رسم "عثمان سمبين" واقعا محليا وقاريا للحالة الإفريقية التي كانت وما زالت تعاني من المحسوبية والظلم والرشوة والبيروقراطية ومركزية الإدارات العمومية والدوائر الحكومية.
لقد ركزت أغلب كتابات وأفلام "عثمان سمبين" على تصوير هموم بلده السينغال وآهات القارة السمراء التي كانت في معظمها تعيش فترة استقلال من ويلات الاستعمار الذي سلم البلاد في ظروف انتقالية صعبة. "إنها لعنة المال" التي ستحول المجمتمع "الدكاري" نسبة إلى دكار إلى مجموعة من الطماعين والوصوليين والانتهازيين الذين يبنون خلاصهم الاقتصادي على مصالح الناس. لقد نجح "عثمان سمبين" في إبراز الوجه الآخر والحقيقي للعائلة والأقرباء وللقرية الصغيرة والمدينة المتوحشة، وإلى التنبيه للأمراض الاجتماعية التي تنخر المجتمع وتعرضه للخراب البطيء القاتل.
لقد آمن "عثمان سمبين" بعمق جذوره الإفريقية، وبضرورة الاشتغال عليها سينمائيا قصد رصد الجروح والإفريقية التي تنتشر في كل جسد القارة السمراء، من حروب وظلم ومجاعة واستغلال للدين وغيرها من المواضيع المهمة والهادفة التي جلبت له احترام العالم اجمع ونال اكثر من مرة جوائز مهمة على بساطة اسلوبه السينمائي السامي والإنساني الذي ينفذ إلى الأعماق والوجدان بطريقة مرنة وواضحة.
لقد آمن المخرج والسيناريست والكاتب "عثمان سمبين" بتفرد السينما الإفريقية بمواضيعها وهواجسها ورهاناتها، ولذلك كان له نصيب من الجوائز العالمية في مهرجانات "كان" "البندقية ومراكش.. وحفر اسمه بأحرف من ذهب على قائمة السينمائيين العظماء في إفريقيا والعالم، ويكفي مشاهدة فيلم "الحوالة" لنعرف مدى نضج هذا السينمائي في صياغة سينما تلامس الواقع الإفريقي وتنبه إلى مشاكله المستقبلية في وقت كانت فيه إفريقيا تلملم أوضاعها من الاستعمار الغاشم.