الرئيسية > ثقافة الخميس

تطور وظهور القصة القصيرة


شريفة العبودي

يعتبر ظهور القصة القصيرة كجنس أدبي في الأدب العربي مثار جدل ليس بين غير العرب فقط ولكن أيضاً بين المثقفين العرب أيضاً. فالعديد من المثقفين يجزمون أن القصة القصيرة كفن قائم بذاته لم تظهر في العالم العربي إلا منذ بداية القرن العشرين وكنتيجة لتأثر العرب بالآداب الغربية بشكل عام وبفن القصة القصيرة بشكل خاص. حيث يذكر الأستاذ الدكتور شوقي ضيف في كتابه: "الأدب العربي المعاصر في مصر" أن القصة القصيرة كجنس أدبي لم تظهر إلا بعد اتصال العرب بالثقافة الغربية على الرغم من اعترافه بأن فن القص ليس جديداً على العرب، فهناك عدد كبير من القصص معروفة منذ فترات ما قبل الإسلام وما بعده. كما تُرجمت أثناء الحكم العباسي قصص من ثقافات مختلفة مثل كليلة ودمنة وألف ليلة وليلة. ولكن تلك القصص، كما يذكر الدكتور شوقي ضيف كانت تروى بلغة عاميّة، والقصص الوحيدة التي انتشرت باللغة الفصحى هي المقامات!

أما عزيزة مريدن في كتابها: "القصة والرواية" فتبدو أكثر اعتدالاً حيث تستعرض وجود القصّة العربية في القرآن الكريم وفي ألف ليلة وليلة وكليلة ودمنة وبخلاء الجاحظ ومقامات الحريري والهمذاني وفي الشعر العربي. ثم تقدّم رأيين متعارضين سائدين في الغرب حول الموضوع. الرأي الأول يقوده رينان ويقول فيه أن العرب لم يعرفوا فن السرد لأنهم يفتقدون إلى المخيلة لعيشهم في مناطق قاحلة لمدد طويلة. وتضيف مريدن ان الكاتب أحمد امين يتفق مع رينان في رأيه حيث يذكر في كتابه "فجر الإسلام" أن مخيلة العربي محدودة وأن براعته تبدو في استخدامه للغة وليس في سعة خياله. فلسان العربي أبرع من عقله!

والرأي الثاني، تبعاً لمريدن، يقوده بارون كارادوفو والمستشرق الإنجليزي جيب، وهما يقران بالتأثير الكبير لفن القص العربي في تطور القصة القصيرة في الغرب.

إن القصة القصيرة كجنس أدبي كانت تشكّل جزءاً لا يتجزأ من الأدب العربي الإسلامي منذ بداية الحضارة الإسلامية تقريباً، فالعرب لم يأخذوا فن القص من الغرب بل العكس هو الصحيح. فتطور فن القص العربي بالشكل والبناء يدل على ذلك حيث اشتهر العرب قبل الإسلام بالشعر المتطور الذي تناقلوه مشافهة جيلاً بعد جيل. وعند النظر إلى الشعر الجاهلي ممثلاً بالمعلقات نجد انها تعكس وتمجّد عادات وقيم العرب القدماء. وبناء القصيدة العربية يعكس بناء نواحٍ عديدة من حياة وفكر العرب. والعربية الفصحى على الرغم من تداخلها لغة شديدة الوضوح قادرة على التعبير عن أرق المعاني. وعندما نزل القرآن بالعربية تأكدت منزلتها كلغة كاملة تبوأت مكانة سامية إلى يوم الدين. وقد نزل القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم على هيئة سور وأجزاء من سورتحمل تعاليم الإسلام. وهذه التعاليم تتكرر مرات عديدة في القرآن كله وهي مدعومة بقصص حضارات قديمة ووقائع بائدة أبطالها أولئك الذين ابتعدوا عن عبادة الله الواحد الأحد. وهذه القصص العديدة والمختلفة والتي تمثل قصصاً قصيرة مكتملة العناصر موجودة قبل الإسلام في كتب سماوية سابقة مثل التوراة والإنجيل. ففي القرآن قصص آدم وحواء، وقصة الطوفان، وقصة يوسف وإخوته، وقصة مولد عيسى، وقصة موسى وفرعون مصر تمثل كلها وحدات كاملة داخل البناء أو الإطار الأكبر وهو القرآن الكريم.

ومن جانب آخر يمثل الحديث والسنة النبوية إطاراً متكاملاً آخر غني بقصص أخرى تعزز قصص القرآن وتحمل نفس المعاني الوعظية الإرشادية. ومن هنا يتضح أن البناء السردي الذي تقوم عليه القصيدة في الجاهلية ويتبدى في القرآن والسنة هو ذات البناء السردي المفتوح (أي الذي يحتمل إضافة المزيد من والحدات السردية دون أن يتأثّر بناءه العام). وهذا النوع من البناء استمر منذ عصور ما قبل الإسلام وحتى انحدار الحضارة الإسلامية كأساس قام عليه تطوير وإثراء أعمال سردية عظيمة سبقته مثل حكايات كليلة ودمنة الهندية الأصل التي قام العرب بوضع إطار عام لها، وألف ليلة وليلة الغني عن التعريف الذي وسعه وطوره العرب، وأعمال أدبية قامت عليه مثل المقامات. كما أصبح هذا البناء القاعدة التي انطلق منها تطوّر فن السرد بشكل عام وتطوّر القصة القصيرة في الغرب بشكل خاص وظهورها كجنس ادبي محترم.

لقد أثّر البناء ذاته على تطوّر واحد من أهم الأعمال السردية الغربيّة، حيث تقوم الباحثة كاثرين سليتر جيتس Catharine Slater Gittes في مقالها: "حكايات كانتربوري وإطار القص العربي The Canterbury Tales and the Arabic Frame Traditionس بتتبّع وجود وتطّور إطار القص، الذي تؤكد جيتس أصله العربي، وكيف أصبح الأساس للبناء الذي قامت عليه أعمال غربيّة عظيمة تقوم على وجود الإطار القصصي العام مثل The Canterbury Tales وَ DeCameron. كما تذكر الباحثة جيتس أن إطار القص العربي يعكس طريقة تفكير العرب ليس فقط في الأدب إنما أيضاً في الدين والرياضيات والفنون كالموسيقى. وطريقة التفكير هذه تقوم على وجود وحدات منفصلة داخل إطار عام يجمعها ويمثّل طريقة خلاّقة تفتح المجال لإضافة المزيد من الوحدات دون أن يتداعى البناء العام.

إن القصيدة العربية في فترة ما قبل الإسلام تقوم على بناء يحتوي على وحدات معروفة حيث يبدأ الشاعر بوصف الإطلال أو مكان إقامة الحبيب، ثم يصف ناقته أو فرسه أو تجواله أو من يقابله، ثم ينتقل إلى وحدة تقوم على هجاء عدوه أو مدح قبيلته أو التغني بحكمته. ووحدات البناء هذه قلما تكون مترابطة حيث تمثّل مجموعة من الصور البلاغية التي تفتقر إلى الترابط العام ويمكن النظر إليها كوحدات معنوية تامة الاستقلال. وجمال القصيدة في فترة ما قبل الإسلام يقوم على جمال وكمال الوحدات وليس على المعنى العام للقصيدة، وإن كان المعنى العام يتعزز بالمعنى الخاص لكل وحدة من وحداته.

وفي مجال مختلف تماماً يخدم هذه النظرية، كما تذكر جيتس، أضاف العرب منزلة الصفر في الرياضيات مما وفّر السرعة والدّقة في الحساب وفتح المجال واسعاً لوجود أعداد لا متناهية من خلال تكرار منزلة الصفر. لقد قام الخوارزمي بتأسيس علم الجبر الحديث من خلال النظر إلى الأرقام على أنها وحدات قائمة بذاتها داخل إطارات أكبر تفتح المجال لسلاسل من العمليات المحتملة.

وهذه الطريقة في التفكير وتركيب وحدات صغرى للحصول على إطار عام انتقلت في صناعة الأدب من الشرق إلى الغرب من خلال الأندلس لينتج عنها أول بناء قصصي أوروبي معروف يقوم على وجود إطار عام حيث قام بطرس الفونسو اليهودي الذي تنصّر بتأليف عمله Disciplina Clericalis بالعربية أولاً ثم ترجمه إلى اللاتينيّة. ويتألف عمله من مجموعة من الحكايات يحكيها حكيم عربي ليعلّم تلاميذه مكارم الأخلاق. وتكمن أهمية هذا العمل على أنه أوصل ثلاث وثلاثين حكاية أصل أغلبها عربي إلى أوروبا المتعطشة للحكمة والمعرفة. وقد أثرت تلك الحكايات وإطارها القصصي على ظهور حكايات مشهورة أخرى. فمن بعد حكايات ألفونسو انتشرت في أوروبا حكايات بوكاشيو: Decameron وحكايات جيفري تشاوسر The Canterbury Tales الذي أشار في خمسة مواضع مختلفة من حكايات كانتربوري إلى ألفونسو وحكاياته. وهذان العملان يحملان الكثير من خصائص بناء إطار القص العربي التي لا يتسع المجال هنا لذكرها. ومنذ أوائل القرن الثامن عشر قام الغرب بترجمة قصص ألف ليلة وليلة إلى الفرنسية أولا، ثم إلى الانجليزية في القرن التاسع عشر. والجدير بالذكر أن قصص ألف ليلة وليلة كانت معروفة في الأندلس منذ القرن الثالث عشر، كما تذكر الباحثة أليس إلزابث لاساتر Alice Elizabeth Lasater في رسالتها لنيل درجة الدكتوراه، حيث ورد ذكر الف ليلة وليلة على لسان شاعر غرناطة الإسباني ابن سعيد في تاريخ إسبانيا الذي كتبه أبو العباس ابن محمد المقري. ووجود قصص ألف ليلة وليلة منذ ذلك التاريخ المبكر أدى من دون شك إلى التأثير على أساليب القص الغربيّة وإثرائها.

ومن هذا المنطلق يبدو أن ما قام به الغرب في القرن التاسع عشر وأدى إلى ظهور القصة القصيرة كجنس أدبي قائم بذاته هو أنه تأثر بوحدات القص الصغيرة المعروفة في الأدب العربي من إطارها العام وجعلها وحدات مستقلّة دون الحاجة إلى إطار لها، وأطلقها كجنس أدبي قائم بذاته. وبعدها استورد العرب القصة القصيرة التي بدت غربيّة الطابع وتبنوها.

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة