• انت الآن تتصفح عدد نشر قبل 1285 أيام

الكتابة والحكاية

عكاظ: الذاكرة وتجلي الوعي (1)

د. عالي سرحان القرشي

    لم يكد ينتهي صيف العام الماضي 1428هـ إلا وعكاظ تلوح للعالم من الطائف، معلنة استجابة الوعي الثقافي، والحس الحضاري لتاريخ لم يطو، ووعي لم ينغلق تعانق كمون التاريخ لرمز متحرك فاعل، يتأبى على الجمود والتأطير مع طموح نظرات بعيدة المدى، عميقة الغور، أعادت طي التاريخ وصمت الزمان، ليصدح وينظر ويتأمل.

خرجت عكاظ عن خدر زمانها في تظاهرة حضارية ثقافية تنبئ عن وعي التاريخ، وسعة أفق من أنجبه ذلك الرمز الحي.. فكان السوق الأول لعكاظ في التاريخ الحديث. وما نقرؤه في هذا الحدث التاريخي يتجاوز التعلق برمز تاريخي يزيد برنامجاً ثقافياً، ويجاوز أن يكون عنوان استقطاب لمحطة ترويج في سدر الأيام.. يجاوز ذلك إلى أن يكون التقاء الوعي بحراك التاريخ الذي لا تطمره السنون، ولا تصادره الرتابة والجمود.

كان هذا الاستنطاق لبعد عكاظ، وفعلها الحضاري ثمرة لجهود رادها الملك فيصل بن عبدالعزيز رحمه الله، حين استجاب لتجليات ذلك الرمز، وأخذ يوجه العقول، والأفكار، والجهود للبحث عن إعادة مسميات التاريخ لتلتصق بالأمكنة المشهودة، وتعيد علاقة الإنسان بالمكان، وحركة المكان مع التاريخ، فكان ما كان من خروج الأبحاث العديدة عن عكاظ الموقع والتاريخ.

كم كان المشهد معبراً ومثيراً يوم انطلاق السوق العام الماضي، شاهداً بكرم قيادتنا الرشيدة، وحرصها على التعبير عن وعي إنسان هذه البلاد يوم رعت هذا السوق، وأذنت بانطلاقه، وكرمت الباحثين في تاريخه وموقعه.

وأشعل وقدة هذا التواصل مع عكاظ الأثر والرمز، ورجل الإبداع والفكر صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل أمير منطقة مكة المكرمة الذي تابع الجهود، ووجهها إلى أن استقامت قابلة لأن تكون الصوت الأول لعكاظ في التاريخ الحديث.

وكان حرصه على ظهور عكاظ بمظهر يليق بالوعي الحضاري، وبالبعد الفكري لإنسان هذه البلاد وتاريخها، خلف الجهود الحثيثة التي تشتغل على سوق عكاظ لهذا العام 1429هـ.

وجد عكاظ أهله من مسؤولين، ومثقفين، ومبدعين، وباحثين، ورجال أعمال، يتحركون في المكان، يستدنونه، ويقربون معه أفعال التاريخ، ويستعينون بالمعرفة في قراءة الوعي، وتجليات الرمز، ويحاولون أن يبثوه روحاً يسري في تلقي ثقافة اليوم لنيشئ الحب والوئام، وثقافة السلام واستثمار طاقات الإبداع.

كان معالي محافظ الطائف على رأس هذه الحركة منذ سنوات عديدة، حين كان يقف مع الباحثين على معالم سوق عكاظ، وحين جاءت فكرة إقامة سوق عكاظ التي اتجهت بمؤتمرها الذي عقد أيام الملك فيصل رحمه الله للأدباء وذوي الفكر والثقافة إلى إنشاء الأندية الأدبية في المملكة.. عاود الأستاذ فهد بن عبدالعزيز بن معمر قرع الفكرة من جديد، إلى أن كان تجلي عكاظ من جديد العام الماضي.

وكنا في لجان سوق عكاظ نقرأ في جهود الرجل، والتصاقه بميدان عكاظ موقعاً، وتاريخاً، ومكاناً لاحتضان انطلاقته الحديثة.. نقرأ في ذلك عشقاً للمكان، وطموحاً لوعي ذلك التاريخ، وامتداداً به في أفق التاريخ الحديث، ونم عن ذلك العشق حديثه عن ذكريات الصبا، يوم كان صغيراً يبحث في أخبئة عكاظ عما يعن له خيال أمثاله من كنز أو ذهب مطمور، وتنامى خياله إلى أن اجتهد في إخراج كنز عكاظ الثقافي والفكري إلى الوجود.

والتقى عشقه مع عشق المبدع، انتماء المسؤول، مع إرادة وطموح صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل، الذي حرص على أن تصطبغ إقامة السوق الحديثة بتجليات الوعي الحضاري، وبتقديم الفعل الثقافي الذي يحافظ على تفرد عكاظ فيلتقي مع رمزيتها وتفردها التاريخي، فكانت متابعاته، وتوجيهاته في الميدان، وللخطط المعدة للبرامج، التي تعد لرمز تاريخي متفرد، في صيف ثقافي استثنائي لهذا العام.

التقت هذه الجهود المباركة إلى أن يطل علينا عكاظ من زحمة التاريخ، بعبقها، بفعلها، بذاكرتها، التي نسجت وجودها، وكونت شخصيتها، وأبت عليها أن تبقى في فسحة من الأرض، نهباً لقسوة الصحراء، وجبروت النسيان، فارتقت ورسخت في فعلها الثقافي، الذي أضحت به رمزاً انتلقت فيه من المكان إلى سعة الذاكرة فلم يرض الرمز بالحيز الذي كانت تقام فيه، فاختلفت حولها الثقافة، وتناقشت عليها المعرفة، حتى أدى ذلك إلى التنافس حول الأرض التي تحمل الاسم، فبعد أن كان الاسم يطلق على المكان ويحتفظ به، أصبحنا في "عكاظ" لدينا الاسم الذي نستشير فيه الثقافة العربية حتى نطلقه على ذلك الحيز أو ذاك، ولكن مهما اتسع الخلاف فهو لن يتسع عن التواطؤ الذي يدعمه تدقيق علمي، ليجعل عكاظ تلتقي مع فرح من أعادوا ذاكرتها، فتهتز جنبات صحرائها جذلاً على أنغام عودتها الواعية.


حفظ طباعة تكبيير
قيّم هذا الموضوع
 




التعليق مقفل لانتهاء الفترة المحددة له

 

إعلانات



نقترح لك المواضيع التالية


الكتــابة والحكــاية

عالي القرشي

الخيارات

عرض الأرشيف
RSS عالي القرشي
البحث في الأرشيف
للتواصل ارسل SMS إلى الرقم 88522 تبدأ بالرمز (347) ثم الرسالة

إعلانات