
أمضيت حياتي كلها في الفناء الأمامي
أود لو ألقيت نظرة على الخلف
حيث تنمو أعشاب قاسية وجائعة لاتهم أحداً.
إن الوردة تزعج البنت.
أود الآن أن أطل على الخلف
وربما على أسفل الزقاق
حيث يلعب الأطفال الفقراء.
أحتاج يوماً ممتعاً.
إنهم يفعلون أشياء مدهشة.
يستمتعون بوقتهم.
أمي تسخر، وأنا أقول كم هو رائع
أنهم لا يذهبون إلى الفراش عند التاسعة إلا ربعاً.
أمي تقول إن "جوني مي"
ستكبر لتصير امرأة سيئة.
إن "جورج" سيدخل السجن حتماً
(لأنه باع بوابتنا الخلفية الشتاء الماضي).
ولكني أقول إن ذلك رائع، أقسم.
أود أن أكون امرأة سيئة أيضاً.
وألبس الجوارب السوداء الشجاعة
وأتمخطر في الشاعر والمساحيق على وجهي.
بهذا النص تضعنا الشاعرة الأمريكية بروكس Brooks أمام جانب مهم من المشهد الشعري الأمريكي المعاصر، المشهد الذي يلتقي إلى حد بعيد بالمشهدين اللذين تأملنا في مقالتين ماضيتين من غيانا وترينيداد، فعالم السود الأمريكيين، أو الأفارقة الأمريكيين كما تشيع تسميتهم حالياً، ليس ببعيد عن عالم نظرائهم من محرومي الجزر الواقعة على ضفاف الحلم الأمريكي أوالكندي.
قصيدة بروكس لا تتصل مباشرة بما ترسمه قصيدة أوراتورو وبراند اللتين سبق تناولهما في هذه المكان، ولكنها تلمح إليه إلى جانب أن السياق العام للشعراء الثلاثة متقارب. وسيتضح بعض ذلك من المعلومات المتصلة بالشاعرة نفسها.
ولدت بروكس عام 1917وتوفيت عام 2000وفي تلك الأعوام التي جاوزت الثمانين حققت بروكس ما لم تحققه أي كاتبة أمريكية سوداء، فنالت معظم الجوائز الشهيرة ومنحت ما لا يقل عن 23شهادة فخرية من جامعات أمريكية مختلفة. دعاها جون كينيدي في الستينيات لإلقاء قصائدها في البيت الأبيض وعينها الكونغرس الشاعرة الرسمية لمكتبة الكونغرس، لتجسد بذلك كله الحلم الأمريكي بالنجاح، لاسيما أنها ولدت لعائلة فقيرة هاجرت إلى شيكاغو وتحمل في تاريخها إرثاً من العبودية، فقد كان أحد أجدادها عبداً آبقاً جاء من الجنوب إلى الشمال بحثاً عن الحرية.
غير أن نجاح بروكس، التي كتب عنها العديد من الكتب والرسائل الجامعية (إحداها لباحثة سعودية)، إنما قام على قدرتها على النظر عبر حجب النجاح الشخصي إلى صور الأسى الكثيرة التي تملأ أحياء المدن الأمريكية وقراها، لاسيما في شيكاغو حيث قضت بروكس معظم حياتها. ويحكى عنها أنها قالت إنك لست بحاجة لتكتب ملحمة لتحقق ملحمة نجاح، فملحمة النجاح تتحقق من قصائد صغيرة بهموم صغيرة.
القصيدة التي ترجمتها هنا لبروكس هي من تلك القصائد الصغيرة بهمومها الصغيرة. غير أن الصغر يظل مسألة نسبية بالطبع، فنحن إزاء حلم بسيط بحدود صاحبته بعيد بمدلوله الإنساني. ذلك الحلم ينشأ من تقابل الفنائين، الأمامي والخلفي في المنازل الأمريكية بتصميمها التقليدي كبرت أم صغرت. ومع أن ذلك يصدق على منازل ومبانٍ بل وحيوات كثيرة، فإن التجسيد الواضح هو بالفعل المنزل الأمريكي المفتوح على الشارع بفنائه الأمامي وبما يتضمن من زينة يحرص عليها أصحاب المنزل لأنه واجهتهم أمام الآخرين، تماماً كما هي مجالس أو صالونات الرجال في معظم المنازل في الوطن العربي وغيره. فهناك دائماً ما يعرض للآخرين وما يخفى عنهم. الفناء الأمامي يقف مقابلاً للفناء الخلفي حيث ترمى المخلفات وتخفى المشكلات والعيوب.
قصيدة بروكس تأتي من الفناء الأمامي حيث التنظيم والألوان والنظافة، فهي أغنية "في" ذلك الفناء وتعبر عن ضيق به وحنين للفناء الخلفي حيث المهمل والمرفوض. وليس لدى الفتاة وقت لتضيعه في التعبير عما تريد، فبعد التصريح بأنها أمضت حياتها في الواجهة الملونة والمرتبة تبادر إلى التصريح برغبتها أن تهرب من تلك الواجهة إلى حيث الأعشاب الضارة والإهمال، لتفاجئنا بذلك السطر المثير: "إن الوردة تزعج البنت"، وأظن أن كلمة تزعج لا تعبر بدقة عما أرادته الشاعرة بلغتها حين قالت: "A girl gets sick of a rose"، فالإشارة هنا إلى إنزعاج يصل حد المرض أو القرف، وهذا من التعابير الشائعة في اللهجات الأمريكية على اختلافها وهو من أكثرها تأكيداً على الانزعاج (ولربما استخدمنا تعبيراً مشابهاً في بعض عامياتنا حين نقول إن شخصاً أو شيئاً "جاب لي المرض"). أما سر الإثارة هنا فواضح أنه من حضور الوردة، رمز الجمال والرقة والرائحة الزكية. تريد الشاعرة أن تنقل لنا شعوراً بالملل الشديد حتى من الورد حين يكثر فلا ترى إلا هو، أننا نحتاج أحياناً إلى بعض الأعشاب الضارة على الأقل لتذكرنا بالورد، لكن الشاعرة تريد ما هو أبعد من مجرد التذكير. إنها تريد أن تذكر بحياة أخرى، كي نرى الوجه الآخر للناس والأشياء، فنمارس سلوكاً وندخل في مغامرات لا تتيحها الواجهة الأمامية المرتبة أبداً. إنه تمرد رومانسي جميل، لكن له من الأبعاد الواقعية ما يغرسه في لحمة المجتمع الفقير بشكل خاص.
في الفناء الخلفي ترى الفتاة الأطفال الفقراء الذين ينامون متى شاؤوا والمرأة المتمردة "جوني مي" وجورج اللص الذي سرق البوابة الخلفية ليبيعها. أولئك هم المتمردون الذين يرفضهم المجتمع والذين تود الفتاة لو انضمت إليهم لترى الحياة من زاوية مغايرة. فأن تكون "امرأة سيئة" يبدو شيئاً رائعاً لمن أقام طول حياته في الفناء الأمامي حيث تحكمه رؤية الآخرين واعتباراتهم.
قصيدة بروكس تأكيد آخر على أهمية المفارقة في اجتراح الشعرية، فالقصيدة قائمة على هذه المفارقة الساخرة التي تكسر المألوف بل المقدس الاجتماعي. وبطبيعتها تقوم المفارقة على تناقض ظاهري ما يلبث أن ينحل في المقبول مرة أخرى، لكن المقبول الجديد غير القديم. رفض الفتاة للفناء الأمامي رفض للمقبول الاجتماعي، لكن الصور الشعرية وشحنتها البلاغية تحول ذلك المقبول من خلال الصدمة المبدئية لنكتشف أن مقبولاً آخر يكمن في الخلف، في الفناء الخلفي، وفي ما يمكن أن نسميه الدلالة الخلفية للقصيدة. المفارقة تخبئ لنا تلك الدلالة الخلفية المتمثلة في أن هناك فعلاً ما يستحق المغامرة في كسر مقبول المجتمع وعاداته المملة، وحين نعود إلى حياتنا الشخصية سنكتشف أننا نمارس ذلك الكسر كلما شعرنا بالملل، نكسره بنكتة بذيئة أو بممارسة نخجل من ذكرها، وقد يبالغ البعض في ذلك بينما يبقى البعض خائفاً من الإيغال في تجربة الفناء الخلفي. لكن في كل الحالات ثمة سحر في ذلك الفناء يجعل الأعشاب الضارة أمتع من الوردة.
1
قصيده رائعه.. وروعتها تاتي من عمق معناها وبساطتها بنفس الوقت
والاروع منها هو تحليلك واسقارئك للقصيده يا استاذ سعد
شكرا ا ا ا
حقانيه - زائر
07:04 صباحاً 2008/08/07