لا نكون صادقين وموضوعيين في فهم طبيعة المرحلة التي يمر بها لبنان والمنطقة اذا لم نقل، بقطع النظر عن الميول والعواطف التشاؤمية والتفاؤلية وبالأخص عند اقوياء العالم، إنها مرحلة السلام العربي - الاسرائيلي. فذلك هو اسمها الرئيسي، فكل شيء لا يتصل بشكل او آخر بموضوع هذا السلام او مداه او مضمونه او زمنه، يبدو ثانوياً في سياق الاحداث، وبالتالي ممكن تجاهله. فسواء كنت مع السلام بالمطلق او ضد السلام، متفائلاً او متشائماً، واجداً فيه الخير او الشر او البين بين، فانه يبقى الموضوع الذي يفرض نفسه على جدول احداث الزمن الذي نحن فيه.
قد لا يكون هذا الامر بالاهمية ذاتها لكل الشعوب، ولكن بالنسبة للدول الكبرى ولدول كثيرة ولشعوب الشرق الاوسط على الاخص، يظل هو الاساس، لا فرق بين منتفع بالاستقرار او متضرر منه او حالم، مراهن على اليسار او اليمين. انه عالم خاص داخل العالم الكبير قد قام في بلادنا واصبحت له شبكته ودوره وتأثراته، والاهم نزاعاته وتوازنات قواه.
لقد جعلت اسرائيل من نفسها من قبل ان تقوم رسمياً كدولة، مرصداً متتبعاً لكل النشاطات والتحولات والانشاءات القائمة في المنطقة، وليس في فلسطين الجغرافية وحدها. وقد كان لبنان منذ العهد الانتدابي الفرنسي موضع رصد الصهاينة بكل نواحي الحياة فيه. وكان يهود اسرائيليون يأتون الى الجامعة الاميركية واليسوعية في بيروت للدراسة، ومن مهماتهم الإحاطة بكل ما يجري ويستجد من ظواهر التطور والتغير في البيئة اللبنانية، معطين اهمية خاصة في الوقت نفسه، لما تمر به الطوائف المتعددة من حالات تطور وتقارب وتباعد. ولأن لبنان تعددي وصاحب تطلع الى التجدد والتغير حتى النزوع الى نمذجة تجربته في المنطقة، كان يضاء في الدراسات الاسرائيلية لأوضاعه على نقاط قوته ونقاط ضعفه بصورة خاصة، مع إضاءات صبورة على نواحي الاختلاف والتطابق بينه وبين بلدان المنطقة، وبين الطائفة والاخرى، وهل هو في النهاية مشرق او مغرب.
ويروي الدكتور أمين الجميل، جد الرئيس اللبناني الاسبق، انه في رحلة بحرية له سياحية في المتوسط، قام بها في احدى البواخر المنظمة للرحلات على عادة اهل ذلك الزمان، نزل عند قريب له في حيفا من آل صهيون، ذوي المكانة والوجاهة من العائلات المسيحية هناك. واثناء وجوده عند قريبه، سأله القريب عما اذا كان مستعداً للسماح لجار يهودي للعائلة مثقف سمع بوجوده في البلد، ويريد ان يراه. ولما لم يمانع الدكتور امين الجد في ذلك، دخل اليهودي وطفق يتحدث عما يفعل ضمن اختصاصه كصناعي وصاحب للشركة التي يعمل فيها. ولما انتهى من الحديث، ثم لم يسمع تعليقاً من الدكتور الجميل، طرح هو عليه سؤالاً عما سمع، فسكت الجميل برهة ثم قال: انكم تنشطون ولكنكم لن تستطيعوا ان تتغلبوا على العرب والمسلمين، فهم كثر ولهم امكانات اقتصادية كبرى وعالم عربي واسلامي واسع. أما نحن، المسيحيين، فإن وضعنا مختلف، فليس لنا لا العون الدولي الذي لكم، ولا العدد والثراء الذي عند المسلمين في العالم العربي والاسلامي.
يذكر صاحب هذا المقال ذلك الحديث الذي رواه له الرئيس الجميل، ليقفز الى ذهنه الحرج الذي يعيشه المسيحيون اللبنانيون الصادقون في وطنيتهم هذه الايام. فالمسيحيون لا يفكرون الا بلبنان واخوتهم في اللبنانية من المسلمين، من دون ان ينسوا طبعاً العالم الغربي كما العالم العربي، ولو بدا احياناً ليس متحمساً بالقدر الكافي لإنقاذ لبنان.
اما اسرائيل ، فهي لنفسها ولمشاريعها، وليست للبنان ولم تكن له في يوم من الايام.
كان المصرفي الكبير والمفكر المرحوم ميشال شيحا، صاحب جريدة اللو جور اللبنانية باللغة الفرنسية، يوصي قراءه دائماً، من قبيل التمارين الفكرية، بقراءة احوال لبنان من وجهة نظر اسرائيل التي كان يعتبرها العدوة الاولى للبنان، وفي الوقت نفسه الراصدة الاولى لاوضاعه ومحرضة العالم الغربي ضده، الناصبة له باستمرار فخ السلام الخبيث معها.
كان يعتبر ان وجهة النظر الاسرائيلية في الشؤون اللبنانية هي مدرسة كاملة ومخيفة في محاولة حرف مساره وتدميره من خلال موضوعة السلام معها التي حاولت دائماً إغراءه بها.
لو كان ميشال شيحا حياً، كيف كان سيتصور الخطر الصهيوني على لبنان الحالي، ومن اين كان يبدأ؟
بالتأكيد كان سيبدأ بتشخيص الحالة اللبنانية من حيث نمو قابلية السلام داخلها.
في رأي شيحا، ان قابلية التطرف غير المسؤول داخل المجتمع، كما قابلية المبالغة في الاعتدال المفرط، هما كعب آخيل الوطن اللبناني الذي منه يدخل الخطر الصهيوني المدمر.
بنوع من المتأمل بالمشهد العيان العادي، يبدو المجتمع السياسي اللبناني منقسماً الى اتجاهين، اتجاه تصادمي مع اسرائيل يرى في وقفة العز المقاومة لها حالة تفرض نفسها. فالآن الآن خوض المعركة، والا فاسرائيل هي في دارنا بأسرع مما نتصور، نكذب فيها العين في كل ما نرى ونسمع منها الاذن ما ليس تسمع.
وجهة النظر الاخرى تقول إن قوة لبنان في ضعفه، وما امامنا الا السكون وترك الامور لعين المجتمع الدولي حارس السلام. فهو الذي يتصرف من نفسه وينصفنا، فارضاً السلام والسكون حيث يقتضيان.
ليس السؤال في لبنان هو هل يريد اللبنانيون السلام او لا يريدون؟ بل السؤال الاكثر جدية هو نوع السلام الذي من شأنه ان يجسد اكثر ما يمكن من الارادة اللبنانية والمفاهيم اللبنانية والتصور اللبناني لنوع السلام المقبول.
هناك خوف حقيقي من سهولة السلام الممكن ان يكون، لا من صعوباته والعقد الموضوعة في وجهه.
ذلك ان الصورة التي يظهر بها النظام اللبناني منذ ما طرح موضوع السلام، هي أنه سيكون على الأغلب سهل الانقياد، وانه مأخوذ الى السلام اكثر مما هو فاعل في صنعه.
فقد ظهر النظام من قبل أن يطرح عليه موضوع السلام، مع اقتراب علائمه، انه إما رام بنفسه اليه احياناً، او سائر اليه على الاغلب بلا ذلك الحد المطلوب والكافي من التساؤل حول الكيفية وطبيعة السلام.
والسبب أن سوء تصرف الوسط السياسي بشكل عام، أعطى ويعطي فكرة سيئة عن النظام السياسي اللبناني في انه لا يعرف ما يريد في المهم من القرارات التي تنتظر البلاد، وغير المهم على حد سواء. وقد اخذ البعض من المعلقين السياسيين من اهل البلاد وخارجها يتحدثون عن وهم وعجز واختلاف داخل النظام اللبناني وفي السياسة العامة التي مفترض فيه ان يختارها في مواجهة الغد.
لقد نجح المتطرفون الجادون في مواقفهم، ولاسيما في المواضيع السياسية الكبرى، كقضية السلام والعلاقات العربية، في إعطاء فكرة عن النظام اللبناني ماذا يريد.
فالظاهر أن حزب الله وأصدقاءه وقطاعات واسعة من الرأي العام يرون في خط السلام مع اسرائيل، اياً كان، انحرافاً خطيراً بالسياسة اللبنانية. هذا بينما هناك فريق آخر من قادة النظام اللبناني يرون ان كل المطلوب من لبنان تقليدياً في مواقف من هذا النوع، الا يزايد على دول شقيقة هي اكبر منه وأوزن.
والواقع ان لبنان ممزق الارادة، فيه المشرّقون التقليديون والمغرّبون التليديون، والاساس والاقرب الى الحكمة في تقاليده، هو عدم توسيع الخرق بين فرقائه، لأن في ذلك الغاءً لقدرته على إفادة نفسه واخوانه العرب.
خصوصاً وأن لبنان حتى الآن كان الدولة العربية المعطاء لقضايا المنطقة، بل ان احد الساسة القدامى فيه الذين هم في عالم الخلود، قال ان لبنان قد تفانى في خدمة القضايا العربية حتى فني او كاد.
آخرون يقولون ان لبنان لو لم يفعل ما فعل في التزام القضايا العربية، لكان أضر نفسه وأضر الوحدة داخل صفوفه. فهو بحماسته للقضايا العربية وعمله لها، يخدم العرب ويخدم نفسه ايضاً. فالموقف العربي بالنسبة اليه حكمة، بقدر ما هو جهاد في قضية عادلة.
سواء كان هذا واجباً قومياً او مجرد موقف سياسي نبيل، فهو موقف منه مجرب الفوائد، سواء كان عن بسالة قومية، او حكمة ، وكلتاهما تُكبران من قدر من يلتزمهما.
وتبقى ام النصائح يعطيها لنفسه كل لبناني يغار على وطنه ويحب عالمه العربي ويحب الانسان كإنسان، هي ان يضع في رأسه واجب الحرص على وحدتين: واحدة هي وحدة العرب وثانية هي وحدة اللبنانيين بكل تعدديتهم. فلا يتذكر الواحدة وينسى الاخرى. وهذا ما كان سر نجاحه منذ ان كان ميثاقه عام 1943، فهو بهذا الميثاق كان يخدم كما تبين قضيتين: التماسك الوطني الداخلي في لبنان، والتماسك القومي بين لبنان واخوته العرب، سواء كانوا مصريين او سوريين او سعوديين او غيرهم. ولقد نجحت هذه السياسة واسعة الأفق في ان يلمع لبنان في المسألتين معاً، ويخرج موحد الصف الوحدوي الداخلي والقومي العربي بشكل عام.
إن اسرائيل تجد فرصتها حالياً في جدلية تشدد واعتدال يقع لبنان ضحيتها، ما بين مغالاة فريق سياسي هو تحالف حزب الله والجنرال عون وتهدئة فريق سياسي آخر هو تيار 14آذار.
هذه الصورة للبنان كانت دائماً في اذهان الصهاينة، اصحاب مشروع دولة اسرائيل، الذين كانوا دائماً يعتقدون، ان باستطاعتهم تحقيق اول خطوة سلام مع المنطقة، بدءاً بلبنان. ورغم ان لبنان كان دائماً رافضاً لهذا السلام، بلسان ساسته ومفكريه، الا ان اسرائيل لم تتخل عن هذه النظرة، حتى بعد تحول لبنان الى معقل للمقاومة، خصوصاً مع السيد حسن نصرالله وحزب الله. الآن هي فهمت وتفهم هذه الحقيقة، الا اننا نراها تؤكد على وجود تناقضات داخلية تراهن عليها، فهي تتصور ان وجود تيارين؛ حزب الله والجنرال عون من جهة، وجماعة 14آذار من جهة ثانية، ينبغي ان تنظر اليه السياسة الدولية كمدخل لجر لبنان الى السلام.
ذلك ان الإفراط والتفريط، كما التغريب والتشريق اللذين تعيشهما السياسة اللبنانية، واللذين أرهقا الجسد اللبناني، يشكلان او شكلا في نظر السياسة الاسرائيلية حالة مؤاتية يجب دعوة السياسة الاميركية لاستغلالها، إذا كانت جادة في العمل للسلام في المنطقة.
إن لبنان إذا كان بسبب ارث ديموقراطي متجذر فيه قد نجح في استدرار عطف دولي عليه، فهو من جهة ثانية يدفع ثمن تناقضاته التي ترشحه لتكاليف ســـــلام هو مقبل عليه قبل الأوان.