الخميس 6 شعبان 1429هـ -7 أغسطس2008م - العدد 14654

ايقاع الحــرف

قضية مدير الأكاديمية الإسلامية في واشنطن

ناصر الحجيلان

    عند تحليل أي نشاط بشري فلابد من مراعاة عناصر أخرى مرتبطة بذلك التصرف لأنه يصعب فصل سلوك الشخص وطريقة تفكيره عن ثقافته الخاصة؛ فالشخص العربي يعلي من قيمة بعض الأفعال ويستهجن أفعالا أخرى قد يجدها على سبيل المثال الشخص الغربي مقبولة. واختلاف الثقافات وعدم فهم أهمية هذا الفرق وحساسيته ثم تأثيره على طبيعة العلاقة بين شعوب مختلفة الثقافات تجعل مجال سوء الفهم كبيرًا للغاية. وقد أثبت التاريخ أن التناحر الثقافي ولد حروبًا بين الثقافات والأديان استمرت لسنوات طويلة جدًا وبعضها لم ينتهِ بعد!

وعند الحديث عن الأذى الذي قد تتسبب فيه هذه الفروقات الثقافية يمكن الحديث عن قضية مدير الأكاديمية السعودية في واشنطن مع الجهات الأمنية في أمريكا التي أثارتها وسائل الإعلام مؤخرًا. وقد بدأت القصة حينما سمعت معلمة تمهيدي في الأكاديمية طفلة تتفوّه بعبارات فيها معلومات جنسية، فتوقعت المعلمة أن الطفلة لايمكن أن تعرف تلك المعلومات إلا إذا كانت مرّت بتجربة جنسية مما يعني أنها ربما تكون تعرضت لاعتداء جنسي. ووفقًا للأنظمة الأمريكية المتبعة، قامت المعلمة برفع بلاغ عن طريق مدير الأكاديمية لكي يرفعه للسلطات الأمريكية لاتخاذ اللازم. ووفقًا لحكمة المدير وتجربته فقد قام باستدعاء والديء الطفلة والحديث معهما بشكل واضح وصريح عن التطوّرات الغريبة التي طرأت على ابنتهما وأهمية انتباههما لها ومراعاة الظروف التي يمكن أنها قد تغيرت عليها والبحث عن السبب وراء تلفظها بما كانت تقول مع ضرورة الاستعانة بمستشار نفسي وخاصة أن الأطفال في هذا العمر لايكادون يميزون تمييزًا دقيقًا بين الواقع والخيال والأوهام. وبالفعل قام الأهل بمراقبة الطفلة والاهتمام بوضعها وقد مضت سنة كاملة على تلك الحادثة دون أن تتفوه الطفلة بعبارات جنسية. ولكن هذا لم يرضِ المعلمة التي استمرت تبحث خلف القضية لإيصالها للقضاء الذي اكتشف فيما بعد أن البلاغ لم يرفع في المدة القانونية المسموحة بل اكتفى المدير بالاجتماع إلى الأهل وهذا في نظر الأمن تقصير في العمل.

والواقع أن وسائل الإعلام الأمريكية والعربية شرعت منذ عدة أشهر تتداول تلك القصة وتربطها بالمناهج والسياسة التعليمية المتبعة. ففي 9يونيو 2008بدأت الأخبار ترد حول اعتقال مدير الأكاديمية الأستاذ عبدالله الشبنان حسب مانشر في الصحف الأمريكية وصحيفة عرب نيوز، وخروجه في اليوم نفسه لانتظار حضور جلسة الاستماع في المحكمة في الأول من أغسطس.

جدير بالذكر أن خبر الاعتقال قد نفاه الشبنان نفسه وفق مانشر في هذه الصحيفة في 20يونيو الماضي. ولابد من التوضيح هنا أن المشكلة تأتي حينما نترجم كلمة (arrested) على أنها تعني الاعتقال بالمفهوم العربي الذي يتضمن وجود قوّة أمنية تكافح شخصًا ثم تقبض عليه بالعنف وتقيّد جسده بالأصفاد. ويرتبط الاعتقال في الغالب بالمجرمين الخطرين الخارجين عن السيطرة الذين يقذفون في سجون مترّسة بالمغاليق، ولا يرتبط هذا المفهوم بالأشخاص المسالمين الذين يوافقون على الذهاب إلى مركز الشرطة. لكن مفهوم الاعتقال في القانون الأمريكي يعني الذهاب مع رجال الأمن إلى مركز الشرطة (قد يتطلب الأمر تصفيد اليدين في بعض الولايات) بعد وجود تهمة (حتى لو كانت غير مؤكدة) يوافق عليها القاضي، ويحضر الشخص لأخذ البصمات والصورة الشخصية مع دفع مبلغ مالي للكفالة و/أو للضمان يعاد للشخص بعد صدور حكم المحكمة. ولا يتضمن هذا النوع من الاعتقال إثباتًا بالجنحة أو الذنب ولكنه إجراء قانوني يحدد بداية إجراءات المحاكمة وتداولها بين الادعاء العام، وبين المحامي والقاضي.

ومن الواضح أن الأستاذ الشبنان ومحاميه اختارا التفاوض مع الادعاء العام على الذهاب للمحكمة والدخول في سلسلة طويلة من المداولات وإجراءات المحاكمة. وتضمنت المساومة أن يعترف الأستاذ الشبنان بتقصيره في عدم إبلاغ السلطات بحادثة اشتباه باعتداء جنسي على طفلة في الخامسة من عمرها في الحضانة التابعة للأكاديمية مقابل إسقاط تهمة عرقلة العدالة التي تتضمن سجنًا لمدة عام. واعترافه بالتقصير لا يعني التبرئة بقدر ما يعني تخفيف الحكم والاكتفاء بغرامة خمسمائة دولار.

ولهذا جاءت قراءة الصحف لهذا الخبر مختلفة، فالصحف الأمريكية اعتبرته إدانة، والصحف المحلية اعتبرته تبرئة. فقد نشر عدد من الصحف والقنوات الفضائية الأمريكية يوم الخميس 31يوليو 2008ويوم الجمعة الأول من أغسطس الجاري خبرًا عن إدانة مدير الأكاديمية السعودية في شمال فرجينيا بعدم الإبلاغ عن حالة اشتباه الاعتداء على طفلة. وكان العنوان الذي اختارته صحيفة الواشنطن بوست هو "مدير المدرسة علم بالاعتداء: وحذف الشكوى الخاصة بالطفلة" : "Schoolصs director knew of abuse: Deleted girlصs complaint"

والعنوان الذي اختارته قناة فوكس نيوز ووضعته على موقعها هو "رئيس مدرسة سعودية يعترف بأنه لم يبلّغ عن الاعتداء" : Head of Saudi School admits he didnصt report abuse

والعنوان الفرعي: "مدير مدرسة إسلامية ممولة من السعودية في شمال فرجينيا متّهم بتعزيز التعصب الديني أدين بفشله في الإبلاغ عن الاشتباه في الاعتداء على طفلة" :"The director of a Saudi - funded Islamic school in northern Virginia accused of promoting religious intolerance has been convicted of failing to report suspected child abuse."

كما نشرت مواقع مثل أطلس شير، وموقع ويكيون عناوين مثيرة مثل "مدير مدرسة كراهية ممولة من السعودية يعترف بالذنب في التستّر على اعتداء جنسي على طفلة" :Saudi funded Hate School Director Pleads Guilty to Covering Child Sexual Abuse

أما ما نشر عندنا، فقد ركز على إسقاط التهمة وليس الإدانة، فقد جاء على سبيل المثال في الخبر المنشور يوم الأحد 3أغسطس 2008"أن المحكمة الأمريكية قد أسقطت تهمة تضليل العدالة على الشبنان والتي كانت تصل إلى السجن عاماً واكتفت بغرامة (500) دولار وذلك لعدم إبلاغه عن ادعاء الطالبة". ومن الواضح أن نقل الخبر لم يكن خاليًا من التحيّز، فكل جهة تركز على العنصر الذي تريد إبرازه للمتلقي. ويبقى موضوع الإدانة - بصرف النظر عن حجمه - غير منصف لأنه ألغى اعتبارات نفسية تخصّ الطفلة واعتبارات اجتماعية تخص أهلها، والقانون ليس حرفيًا إلى هذا الحد ولكنه قابل للنقاش والنظر في مختلف جوانبه. ومن المتوقع أن عددًا كبيرًا من المحامين البارعين يرفضون القبول بذلك العرض لكي لا يدوّن في سجل موكلهم أي نقطة يمكن استغلالها فيما بعد ضده في أي موضوع آخر.