الاربعاء5 شعبان 1429هـ -6 أغسطس2008م - العدد 14653

ويبقى شيىء

الرعاية الصحية في المملكة .. واقع "مؤلم" يحتاج تغييراً جذرياً سريعاً !!

خالد الفريان

    يلمس كل مواطن التردي الكبير في مستوى الرعاية الطبية عموما وفي الخدمات المقدمة من مستشفيات وزارة الصحة بشكل خاص، وهذا أمر طبيعي في ظل المعطيات التالية:

- الخلل التنظيمي الصارخ الذي حمل وزارة الصحة مسؤولية معظم مهام التشريع والتنفيذ والإشراف والتشغيل والرقابة في جميع المجالات المتعلقة بالرعاية الصحية حتى أصبح في المقر الرئيسي لوزارة الصحة نحو 50مديراً عاماً ! في حالة قياسية من الترهل البيروقراطي.

وأدى هذا الخلل إلى ضعف الجودة والرقابة والمحاسبة، وكان يفترض حسم هذا الخلل منذ سنوات طويلة حتى لا تصبح المسائل عائمة ولا أحد يدري من هو المسؤول عن استمرار التردي في مستوى الرعاية الطبية في المملكة .

- تواجه المستشفيات الرئيسية في المدن الكبرى ضغطاً هائلا، يجعلها أحياناً تجري العمليات في "الممرات" أو في غرف غير مهيأة للعمليات، ولي صديق اتصل به مستشفى يخبره عن توفر غرفة لوالده بعد ستة أشهر من وفاته رحمه الله ، ومثل هذه القصة كثير من المآسي..

وقد ذكر معالي وزير الصحة في ندوة صحيفة الرياض في 18مارس 2008م " خلال عشرين عاماً لم يتم إنشاء مستشفى واحد، ولكن خلال العام الماضي فقط استطعنا أن نفتتح "28" مستشفى كلها الآن تم تشغيلها.. ولدينا "97" مستشفى تحت الإنشاء " .

وتقوم وزارة الصحة بجهود مكثفة، وبدعم غير مسبوق من الدولة، من أجل نشر الخدمات الطبية، وقد افتتحت العديد من المستشفيات متوسطة الحجم في المدن الصغيرة وفي المناطق الأقل نموا بهدف تخفيف هذا الضغط، ولكن لا تتوفر أحياناً القدرة على توفير كادر كاف من الاستشاريين والأخصائيين وطاقم التمريض الملائم أو مع نقص في الأجهزة المتطورة الحديثة التي تحتاجها أقسام الأشعة والمختبرات، مما جعل سكان هذه المناطق والمدن لا يثقون كثيرا في بعض هذه المستشفيات ويطلبون العلاج في المدن الرئيسية، حتى أصبحت مستشفيات بعض المحافظات خاوية على أطبائها العامين وممرضيها غير المتمكنين ! وأصبح عدد المنومين في هذه المستشفيات أقل بكثير من طاقتها الاستيعابية، مما يشكل هدرا كان بالإمكان الاستفادة منه بشكل أفضل.

- يقول الدكتور عثمان الربيعة في جريدة الجزيرة في 29يوليو 2008"تصرف مستشفيات برامج التشغيل الكبرى على السرير أربعة أضعاف ما يتوافر لدى وزارة الصحة للصرف على السرير .. وأن زهاء 70% من أطباء القطاعات الحكومية - غير وزارة الصحة - هم من الأخصائيين والاستشاريين، أما في وزارة الصحة فإن نسبتهم لا تتعدى 40% ويتمركزون في المدن الكبرى، وذلك لأن الاستشاريين والأخصائيين في الخارج لا يرغبون العمل في المحافظات إذ لا ترضيهم الرواتب المعروضة عليهم من ناحية ولا يحبذون العمل في أماكن لا تتوافر فيها مدارس لأولادهم أو البيئة الاجتماعية المناسبة"..

ولاشك أن هذا النقص في الاستشاريين والأخصائيين مع التطورات الطبية السريعة يمثل مشكلة كبرى إذ أن الطبيب العام لا يمكنه متابعة تطورات كل تخصص وقد يكون ضرره أكثر من نفعه في بعض الحالات.

@@ وقد انتقدت جمعية حقوق الإنسان في ابريل 2008م مستوى الرعاية الصحية في المملكة مع كثرة شكاوي المواطنين التي تصلها وحددت 12جانبا سلبيا أهمها معاناة المرضى وذويهم من التنقل إلى المدن الرئيسة للحصول على العلاج، وتزايد الأخطاء الطبية، ونقص الأدوية في صيدليات المستشفيات، وعدم فتح مراكز أبحاث متخصصة في بعض المناطق التي تكثر فيها بعض الأمراض الوبائية، وضعف الإمكانات المتوفرة في المراكز الصحية داخل الأحياء والقرى، وضعف الكوادر البشرية الطبية والتمريضية في أغلب المستشفيات، وعلى وجه الخصوص في المناطق النائية.

وكل ما سبق يؤكد شيئا واحدا هو أن الرعاية الصحية في المملكة تعيش واقعاً مؤلماً يتفق عليه جميع المنصفين، ويبقى الجدل الإعلامي حول من المسؤول، مع التوضيح أنني لا أحمل وزارة الصحة مسؤولية هذا التردي إذ أن هناك إرثاً متراكماً من القصور والإخفاقات والخلل في تنظيم هذا القطاع، بل ان الوزارة هي أكثر المتحمسين لإقرار مشروع تطوير الرعاية الصحية المرفوع لمجلس الوزراء الموقر.

ولا يهم المواطنين معرفة من هو المسؤول عن هذا التردي وخلفياته التاريخية بقدر ما يهمهم معالجة الواقع المؤلم بصورة جذرية وسريعة، والذي لن يحدث دون تضافر جهود الجميع، وسوف نناقش أبرز متطلبات المعالجة الأربعاء القادم بإذن الله.