د. عبدالله بن إبراهيم العسكر
في حديث الأربعاء السابق (الأربعاء 20/رجب/1429ه) تحدثت عن آفاق السياحة وربطها بالمجتمع في تايوان. وخلصت إلى بعض الآراء خصوصاً ما يتعلق بالسياحة في المملكة، وقدمت اقتراحين للهيئة العامة للسياحة والآثار. وجدت أن تايوان مهتمة جداً بالسياحة. وحيث إنها لا تملك مقومات سياحية كبيرة، فقد رأى المسؤولون فيها ربط السياحة بالمجتمع وفعالياته. وهم يعقدون مهرجاناً دولياً كبيراً عن السفر والسياحة في شهر نوفمبر من كل سنة.
تواجه تايوان مشكلة سياسية كونها لا تتمتع بعضوية الأمم المتحدة ولا تعترف الصين الشعبية باستقلالها. هذا الوضع ألقى بظلاله على تايوان. ومع هذا فتايوان توجهت إلى مجالين لا يمكن أن يخلقا حساسية سياسية: الأول بناء القدرات العلمية والتقنية والتجارية. والثاني الانفتاح على العالم من خلال السياحة والتعاون في المجالات الاقتصادية. وقد نجحت تايوان. الحكومة التايونية الحالية تدير العلاقات مع الصين الكبرى بعقلانية رفيعة، وهي تعمل على تطبيع العلاقات الاقتصادية والثقافية وترى أنهما الخطوة الأولى في سبيل الحل الأمثل للمشكلات السياسية والسيادية.
وقد قرأت عن التعاون بين المملكة وتايوان خصوصاً في الميدان التجاري. ففي سنة 2007بلغ مقدار التبادل التجاري الثنائي أكثر من أحد عشر بليون دولار أمريكي. وهذا الرقم يمثل زيادة مقدارها أكثر من 8% عن عام 2006.وبهذا تصبح المملكة في المرتبة التاسعة في الشراكة التجارية مع تايوان مقارنة بالدول الأخرى. وإني أتطلع أن يشمل التعاون أيضاً ميدان السياحة. ولعل دعوة بعض المشتغلين بالسياحة وبعض رجال الأعمال لمهرجان السفر والسياحة القادم يكون بمثابة إطلاع على ما يمكن التعاون بشأنه بين البلدين في ميدان السياحة.
وأعود لعرض بعض الأفكار التي استخلصتها من مشاركتي في ورشة العمل عن السياحة والمجتمع في تايوان. كان عدد المشاركين 25مشاركاً يمثلون 25بلداً معظمهم من الدول النامية. وبجانب المحاضرات النظرية، كان برنامج ورشة العمل يشتمل على زيارات ميدانية ومقابلة بعض المسؤولين. وكانت معظم الزيارات الميدانية تحمل عنوان (سياحة ثقافية أو تراثية) على أن الأمر الذي لفت نظري هو ربط السياحة الثقافية بمكونات المجتمع المحلي. فلما زرنا مزرعة يديرها شريكان مع بعض أفراد أسرتيهما كان عنوان الزيارة (الثقافة والمتعة) وتتلخص هذه الزيارة البسيطة أن رجلاً ورث عن والده مزرعة صغيرة تقع بجانب نهر صغير. وحيث إنه ولد وترعرع في هذه المزرعة فقد ارتبط بها وجدانياً. ثم هو رأى أن يستبدل زراعة الأرز بزراعة شجيرات زهرة اللوتس التي تدر ربحاً وفيراً، كون زهرات اللوتس تستعمل على نطاق واسع في التراث الصيني مثل تقديمها عند زيارة المعابد البوذية.
استقبلنا صاحب المزرعة مع شريكه. وقام أحدهما بشرح موسع عن المزرعة وتاريخها، ثم أخذنا في جولة سريعة، ثم قدم لنا غداءً شعبياً. المكان متواضع جداً. والبيت قديم وتراثي. والأكل بسيط. الذين يعملون في المزرعة هم والدة صاحب المزرعة وزوجته وابنتاه. بمعنى آخر هذا عمل سياحي ثقافي متواضع تقوم به أسرة واحدة. الناس من تايوان وخارجها يأتون إلى هذه المزرعة الصغيرة لقضاء وقت ماتع في أحضان الطبيعة، ويستعيدون ماضي القرى الصينية، ثم يتناولون غداء صينياً تقليداً. ولما سألت صاحب المزرعة عن دخله الشهري، أجابني إنه دخل كبير، خصوصاً أنه لا يصرف على المزرعة الشيء الكثير، فالبنية التحتية بسيطة ومتواضعة.
لكن السؤال كيف تأتى لهذا الشاب أن يحول مزرعته مزاراً لسياحة الثقافة والمتعة. ولماذا عدل عن زراعة الأرز الذي يعتبر الطبق الأول والمهم في المائدة الصينية. الجواب هو في خطط المركز الثقافي في حكومة تاويان Taoyuan الذي قدم له الخطط والبرامج وربما قدم له مساعدة لوجستية. على أن العمل الأسري (عمل الأسرة الواحدة) هو من تراث الصين. فأنت ترى أسرة صينية يعمل أفرادها مجتمعين في بقالة أو مغسلة أو مقهى أينما تسير في شوارع تايوان، بل ترى هذه الظاهرة في كل مكان حول العالم يوجد به تجمع صيني. وهذه التجربة وهذه المزرعة المتواضعة التي أصبحت تشكل معلماً سياحياً وثقافياً يمكن تطبيق مثلها في قرى منطقة عسير أو في القطيف أو الأحساء. لتشابه الظروف البيئية مع إدخال تعديلات تراعي الوضع الاجتماعي.
ومثل آخر هو معرفة تراث الصين المتعلق بحفلة الشواء B.B.Q management. والشواء الصيني يختلف عما عهدناه من شواء في الهواء الطلق أو في داخل البيوت. والشواء تراث عربي قديم. وأدبيات العرب تذكر الشواء كثيراً. ولكننا للأسف لم نستغل هذه الحرفة ونحولها إلى سياحة ومتعة. في قرية جينج رن Jing-ren استطاعت هذه القرية الصغيرة الواقعة على سفوح الجبال أن تستقطب السياح، وأن توطن مئات الوظائف للجنسين من خلال استغلال تراث صيني قديم يتعلق بإدارة وتقديم حفلة شواء. الكل يأتي ويرى ويستمتع ويأكل شواء صينياً قديماً بعد أن يصرف من ماله مبلغاً لا يستهان به. وبالمناسبة فقد رأيت شبيه هذا في مهرجان جرش. نستطيع أن نحول تراث الجزيرة العربية القديم والوسيط المتعلق بالأكل إلى برنامج مقنن. مرتفعات عسير تشتهر بأكلات تراثية رائعة. نستطيع أن نضع البرامج والخطط لقيام حفلات سياحية موسمية في قرى عسير تختص بثقافة الأكلات الشعبية.
استغرق برنامج ورش العمل أسبوعين حافلين بالعمل والمشاركة في محاضرات نظرية. وكان البرنامج اليومي يبدأ من الساعة الثامنة صباحاً وينتهي الساعة الثامنة مساءً. ومع أن البرنامج مكتظ، إلا أنه برنامج مفيد. وفي نهاية البرنامج قدم الأعضاء المشاركون رؤاهم وملحوظاتهم. وقد قُسم المشاركون على أساس قاري. فعلى سبيل المثال، شكلت آسيا وأفريقيا وحدة واحدة، وعلى المشاركين من هاتين القارتين اختيار متحدث باسمهم، يقوم بجمع النقاط والأفكار والفوائد والفرائد والنقد الذي تولد عندهم طيلة أيام ورش العمل، ثم يقدمها في صيغة محاضرة صغيرة.
@@@
وبعد نشر الحلقة الأولى من هذا الحديث اتصل بي سعادة الممثل الاقتصادي والثقافي لتايبيه المقيم في الرياض السيد شينج - تسونج يانج Sheng - tsung yang وشكرني وأبدى بعض الملحوظات التي أخذت بها، ودعاني لمقابلته. فأشكره وسألبي دعوته. ثم اتصل بي الصديق الدكتور سعد الراشد، وهو نقل لي تحيات سمو الأمير سلطان بن سلمان. ونقل اهتمام سموه بالحديث وتوجيه سموه بتزويدي بمطبوعات الهيئة. وبعد إطلاعي على المطبوعات والنشرات والمطويات وثلاثة من الأقراص المدمجة. تولد عندي ما يلي:
أولاً أنا أشكر سمو الأمير، رجل السياحة والأمين عليها لسرعة تجاوبه ومتابعته لما ينشر حول السياحة الوطنية. وثانياً أود أن أقول له وللمسؤولين في هيئة السياحة إن ما قرأته أمر يرفع الرأس. وقد ازددت علماً ومعرفة عن خطط السياحة. هيئة السياحة وضعت الخطط النظرية واللوجستية لبناء قاعدة سياحية صلبة، واقترحت البرامج التي تربط بين الساحة والتربية والتعليم والمجتمع مثل برنامج (ابتسم) وغيرها كثير. ولم يبق إلا التطبيق. وهذا الشأن تختص به وزارات حكومية، ويختص به القطاع الخاص. لا يمكن لهيئة السياحة أن تبني المرافق السياحية. وهذا لم يحدث في أي بلد. القطاع الخاص هو المنوط به ليقيم المشاريع السياحية المقترحة. ويجني الثمار المتوقعة.
وأرغب أن أعيد ما اقترحته، خصوصاً بعدما قرأت معظم ما نشرته الهيئة. وهو ضرورة عقد ورشات عمل تجمع بين خبراء السياحة من داخل المملكة وخارجها وبين رجال الأعمال والمستثمرين من داخل المملكة وخارجها. كما أنني لم أجد فيما أطلعت عليه على عمل مختصر مصور يجمع شتات ماضي المملكة وحاضرها. عمل يكون على هيئة قرص حاسوبي. وهو اقتراح سبق أن ذكرته في الحلقة الأولى.