الثلاثاء4 شعبان 1429هـ -5 أغسطس2008م - العدد 14652

ايقاع الحرف

الشخصية المشدودة إلى الأرض (2/2)

ناصر الحجيلان

    ونعود لمواصلة الحديث عن الشخصية المشدودة إلى الأرض!

تملك هذه الشخصية لغة مؤثرة عاطفياً وعاجزة عن الإقناع العقلي. يسهل عليها الحديث العاطفي المدعم بالمواقف والمشاعر وتميل إلى المبالغة والتهويل في المدح أو في القدح، لكنها لا تستطيع الاستمرار في الجدل العقلي لأن صاحبها يمل ولايجد متعة في أي عمل يستمر وقتاً أطول مما اعتاد عليه. وبسبب التأثير العاطفي فإن هذا الشخص لديه قدرة فائقة في نقل عدوى مشاعره السلبية إلى من حوله. فعلى سبيل المثال، فإنّ الجلوس مع شخص كهذا، يجعلك تخرج من اللقاء وأنت تشعر بالخيبة أو الإحباط، وحينما تبحث في الأمر تجد أن السبب يعود إلى الأفكار التي سمعتها من هذا الشخص والنظرة السوداوية للأمور التي لا تخلو من بواعث مادية صرفة.

ولأن هذا الصنف عاجز عن التميّز بذاته، فإن بروز الآخرين وتميزهم يغيظه ويصيبه بالحقد، لا لشيء إلا لأنه عاجز أن يفعل مثلهم. ويتخذ عدة سبل لإشعار ذاته أنه متميز عليهم، منها سعيه إلى تشويه الجمال (المتمثل في التفوق مثلا أو في المظهر أو في المهارات) عن طريق التقليل من جهود الآخرين ومحاولة البحث عن ثغرات سلبية في حياتهم أو في أعمالهم. فتجده يعقب على المديح بعبارت مثل: "ولو.. ترى فيه كذا وكذا"، أو "هيّن بس.."، أو "لايغرك، تراه.." وهو من النوع الذي يختلق القصص والأكاذيب ويلصقها بالمتفوقين وينشر الإشاعات، ويجد في ذلك متعة كبيرة لأنها حققت ما تصبو إليه نفسه من تثبيت الأشخاص المتحركين على الأرض وجرهم للكسل ليكونوا مثله.

والعجيب أنه يبرر لنفسه ممارسة الدسائس والحيل ضد الغير، ويتّخذ من الموقف الأيديولوجي سنداً يعينه على التبرير؛ فهو يتكىء على الجانب الديني أو القبلي أو المناطقي أو الوظيفي أو العمري أو المظهري لكي يبرز عناصر تقلل من الآخرين وتبقيه في موقف معنوي أفضل. ويلاحظ أنه يفتعل المعارك والخصومات في خياله ويدير رحاها بينه وبين نفسه، فيتمنى أمنيات سلبية للآخرين ويفرح بها، فيتخيل أن فلاناً مثلا قد قُتل في حادث مروري وفلاناً قد أصيب بشلل...إلخ وهكذا لاتتوقف أمنياته الشريرة وأحلامه السوداء. ويمكن التعرف على خياله من خلال متابعة تعليقاته على الأشخاص، فحينما يظهر رجل كبير في السن يتكلم في حفل معين، فإنه مهتم بالتركيز على جسد الشخص، فيحسده أن ظهره مستقيم مثلا أو أنه لايلبس نظارات أو أن ذاكرته متّقدة..إلخ.

هذا الشخص يصرّح بمبادئه الأخلاقية التي يخيل لمن يسمعها أنه مثالي، لكنه لا يطبقها إلا شكلياً، فأمام الناس يمكن أن يتنازل عن قضية له مثلا أو يتبرع بمبلغ سخي أو ينضم إلى عمل معين أو يمتدح شخص، لكنه في قرارة نفسه غير مقتنع بما يفعل. لديه قدرة فائقة على تغيير موقفه وتلوين مبادئه وفقاً للظروف التي تحيط به بهدف كسب رضا المجموعة التي ينتمي إليها. فهو خير واعظ في حضرة الواعظين، وفي الوقت نفسه أشد داعر في موقع آخر.

ومن يتأمل صفاته الأخلاقية الحقيقية وسلوكه العملي يجد وكأن له علاقة بصفات الأرض التي ينجذب إليها ويحبّ الرسو على متنها بأخلاقه المادية، فهو يتفانى في الحصول على المال ولا يفرط فيه بل يكتنزه، وأكثر البخلاء هم من هذا الصنف، وهو جبان لايواجه الصعاب بل يورّط غيره في مواجهتها ولايخاطر بنفسه لأنه محبّ للحياة والخلود على الأرض. وتغريه ملذات الحياة الحسية كالجنس والأكل والتباهي بذلك. من يدقق النظر في سلوكه أثناء الأكل أو المشي أو الضحك لن تغيب عنه الشراهة الحسيّة التي تعكسها كل حركة في جسده.

ومن صفاته التي تشبه صفات الأرض أنه يألف الثبات وينفر من التغيير، فهو يحب البقاء في وظيفته وفي سكنه، ويصعب عليه قبول التغيير؛ فسيارته تبقى معه سنوات طويلة وكذا الأمر بالنسبة لملابسه وكل ما له صلة به بما في ذلك الأصدقاء والزملاء حتى لو كان يكرههم لأنه يعدّهم من الممتلكات التي لايقبل أن يراها تغادر يده. ومن طبائعه أنه يكره السفر والتنقّل ويخشى الدخول في مشروعات جديدة تختلف عن النماذج الموجودة في خبرته السابقة التي يعرفها على سطح الأرض وليس لديه استعداد للتضحية بما لايعرفه.

ما العوامل التي ساهمت في تكوين هذا النمط من الشخصيات؟ ومامدى شيوعها في مجتمع دون آخر؟ وما أساليب التعامل مع هذا النمط من خلال نماذج من الشخصيات الروائية أو المشهورة؟ هذه الأسئلة تفتح الباب أمام دراسة تحليلية طويلة تستفيد من معطيات عدد من الحقول المعرفية للخروج بإجابة عن مثل تلك الأسئلة.