• انت الآن تتصفح عدد نشر قبل 1286 أيام

ايقاع الحرف

الشخصية المشدودة إلى الأرض (2/2)

ناصر الحجيلان

    ونعود لمواصلة الحديث عن الشخصية المشدودة إلى الأرض!

تملك هذه الشخصية لغة مؤثرة عاطفياً وعاجزة عن الإقناع العقلي. يسهل عليها الحديث العاطفي المدعم بالمواقف والمشاعر وتميل إلى المبالغة والتهويل في المدح أو في القدح، لكنها لا تستطيع الاستمرار في الجدل العقلي لأن صاحبها يمل ولايجد متعة في أي عمل يستمر وقتاً أطول مما اعتاد عليه. وبسبب التأثير العاطفي فإن هذا الشخص لديه قدرة فائقة في نقل عدوى مشاعره السلبية إلى من حوله. فعلى سبيل المثال، فإنّ الجلوس مع شخص كهذا، يجعلك تخرج من اللقاء وأنت تشعر بالخيبة أو الإحباط، وحينما تبحث في الأمر تجد أن السبب يعود إلى الأفكار التي سمعتها من هذا الشخص والنظرة السوداوية للأمور التي لا تخلو من بواعث مادية صرفة.

ولأن هذا الصنف عاجز عن التميّز بذاته، فإن بروز الآخرين وتميزهم يغيظه ويصيبه بالحقد، لا لشيء إلا لأنه عاجز أن يفعل مثلهم. ويتخذ عدة سبل لإشعار ذاته أنه متميز عليهم، منها سعيه إلى تشويه الجمال (المتمثل في التفوق مثلا أو في المظهر أو في المهارات) عن طريق التقليل من جهود الآخرين ومحاولة البحث عن ثغرات سلبية في حياتهم أو في أعمالهم. فتجده يعقب على المديح بعبارت مثل: "ولو.. ترى فيه كذا وكذا"، أو "هيّن بس.."، أو "لايغرك، تراه.." وهو من النوع الذي يختلق القصص والأكاذيب ويلصقها بالمتفوقين وينشر الإشاعات، ويجد في ذلك متعة كبيرة لأنها حققت ما تصبو إليه نفسه من تثبيت الأشخاص المتحركين على الأرض وجرهم للكسل ليكونوا مثله.

والعجيب أنه يبرر لنفسه ممارسة الدسائس والحيل ضد الغير، ويتّخذ من الموقف الأيديولوجي سنداً يعينه على التبرير؛ فهو يتكىء على الجانب الديني أو القبلي أو المناطقي أو الوظيفي أو العمري أو المظهري لكي يبرز عناصر تقلل من الآخرين وتبقيه في موقف معنوي أفضل. ويلاحظ أنه يفتعل المعارك والخصومات في خياله ويدير رحاها بينه وبين نفسه، فيتمنى أمنيات سلبية للآخرين ويفرح بها، فيتخيل أن فلاناً مثلا قد قُتل في حادث مروري وفلاناً قد أصيب بشلل...إلخ وهكذا لاتتوقف أمنياته الشريرة وأحلامه السوداء. ويمكن التعرف على خياله من خلال متابعة تعليقاته على الأشخاص، فحينما يظهر رجل كبير في السن يتكلم في حفل معين، فإنه مهتم بالتركيز على جسد الشخص، فيحسده أن ظهره مستقيم مثلا أو أنه لايلبس نظارات أو أن ذاكرته متّقدة..إلخ.

هذا الشخص يصرّح بمبادئه الأخلاقية التي يخيل لمن يسمعها أنه مثالي، لكنه لا يطبقها إلا شكلياً، فأمام الناس يمكن أن يتنازل عن قضية له مثلا أو يتبرع بمبلغ سخي أو ينضم إلى عمل معين أو يمتدح شخص، لكنه في قرارة نفسه غير مقتنع بما يفعل. لديه قدرة فائقة على تغيير موقفه وتلوين مبادئه وفقاً للظروف التي تحيط به بهدف كسب رضا المجموعة التي ينتمي إليها. فهو خير واعظ في حضرة الواعظين، وفي الوقت نفسه أشد داعر في موقع آخر.

ومن يتأمل صفاته الأخلاقية الحقيقية وسلوكه العملي يجد وكأن له علاقة بصفات الأرض التي ينجذب إليها ويحبّ الرسو على متنها بأخلاقه المادية، فهو يتفانى في الحصول على المال ولا يفرط فيه بل يكتنزه، وأكثر البخلاء هم من هذا الصنف، وهو جبان لايواجه الصعاب بل يورّط غيره في مواجهتها ولايخاطر بنفسه لأنه محبّ للحياة والخلود على الأرض. وتغريه ملذات الحياة الحسية كالجنس والأكل والتباهي بذلك. من يدقق النظر في سلوكه أثناء الأكل أو المشي أو الضحك لن تغيب عنه الشراهة الحسيّة التي تعكسها كل حركة في جسده.

ومن صفاته التي تشبه صفات الأرض أنه يألف الثبات وينفر من التغيير، فهو يحب البقاء في وظيفته وفي سكنه، ويصعب عليه قبول التغيير؛ فسيارته تبقى معه سنوات طويلة وكذا الأمر بالنسبة لملابسه وكل ما له صلة به بما في ذلك الأصدقاء والزملاء حتى لو كان يكرههم لأنه يعدّهم من الممتلكات التي لايقبل أن يراها تغادر يده. ومن طبائعه أنه يكره السفر والتنقّل ويخشى الدخول في مشروعات جديدة تختلف عن النماذج الموجودة في خبرته السابقة التي يعرفها على سطح الأرض وليس لديه استعداد للتضحية بما لايعرفه.

ما العوامل التي ساهمت في تكوين هذا النمط من الشخصيات؟ ومامدى شيوعها في مجتمع دون آخر؟ وما أساليب التعامل مع هذا النمط من خلال نماذج من الشخصيات الروائية أو المشهورة؟ هذه الأسئلة تفتح الباب أمام دراسة تحليلية طويلة تستفيد من معطيات عدد من الحقول المعرفية للخروج بإجابة عن مثل تلك الأسئلة.


حفظ طباعة تكبيير
قيّم هذا الموضوع
 

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "الرياض" الإلكتروني ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر، وللإبلاغ عن أي تعليق مخالف يرجى الضغط على زر "التنبيه" أسفل كل تعليق

عدد التعليقات : 9
(جديد) ترتيب التعليقات : الأحدث أولا , الأقدم أولا , حسب التقييم
عفواً ترتيب التعليقات متاح للأعضاء فقط...
سجل معنا بالضغط هنا
  • 1

    تحيليل دقيق وأظنها تنطيق على المراة اكثر من الرجل
    بسبب الظروف التي تمر بها المراة
    ولهذا فهي بصراحة ضارة لمن حولها

    Arwa (زائر)

    UP 0 DOWN

    07:53 صباحاً 2008/08/05

  • 2

    أخي الكاتب: تحليل دقيق والسبب والله أعلم قد يكون نفسي حيث أن هذا الشخص قد يكون مصاب بانفصام في الشخصية. وربما أن الشخص غير مريض ولكن لعدم خوفه من الله يستمرأ عمل تلك الأفعال التي نهى عنها الدين وجعلها من الكبائر كالحسد والغيبة والنميمة والكذب والحقد والكراهية وغيرها من الصفات الدنيئة التي يمنعها الدين الحنيف. لكن لعلك توسعت في صفات تلك الشخصية ووضعت لها صفات أخرى قد لا تنطبق عليها وقد يكون من يتصف بها من أفاضل الناس، وأقصد بذلك الألفة وحب الشخص لقديمه من سيارة وبيت وأثاث فقد لا يجد إلا ذلك.

    من بني عمرو (زائر)

    UP 0 DOWN

    08:50 صباحاً 2008/08/05

  • 3

    عفوا لم أقرأ المقال الأول حيث يبدو لي أنك أكملت ما بأت به في مقالك الأول. من خلال قراءتي للجزء الأول لم يتضح أن هناك رابط بين الشخصيتين. فالمقال الأول قد ينطبق على بعضنا وهي شخصية ذات أفكار ولكن تحتاج إلى من يعينها وليس في ذلك عيب. لكن المقال الثاني يتكلم عن شخصية مغايرة ذات طباع سيئة تتصف بالحقد والحسد. لذا لم يتضح لي الفرق بين الشخصيتين والرابط بينها. فأرجو الدقة في الوصف لأن كثير من الناس قد تتحقق فيه بعض تلك الصفات وليس كلها فقد ربطت الصالح مع الطالح وأعتقد أن الفيصل هو الإسلام بتعاليمه.

    من بني عمرو (زائر)

    UP 0 DOWN

    09:04 صباحاً 2008/08/05

  • 4

    اشكرك على اكمال مابدأته من قبل
    وهو مشروع مفيد
    ياليت المزيد

    عبد الإله الحمدان (زائر)

    UP 0 DOWN

    10:05 صباحاً 2008/08/05

  • 5

    انت قلت
    وتغريه ملذات الحياة الحسية كالجنس والأكل والتباهي بذلك
    اعوذ بالله
    اعوذ بالله
    اعوذ بالله
    الحمد لله الذي عافانا

    أمل (زائر)

    UP 0 DOWN

    02:29 مساءً 2008/08/05

  • 6

    هذا شخص يحتاج استشارة نفسية ومفروض اصحابه يبتعدون عنه لأنه مؤذي بقوووة. أتفق مع الأخت أروى أن هذه الشخصية شائعة عند النساء حيث نسمع كلامها في البداية أو في أول لقاء فيعجبنا ولكن حينما نعمل معها أو نعرفها عن قرب تخرج لنا "البلاوي" لأن المرأة بصفة عامة تعلمت الإزداوجية في الشخصية فهي تحول فكرها وكلامها حتى تحظى بالقبول والاستحسان الذي هو أهم شئ عندها. ألف شكر مقال مرة ممتع.

    ديانا (زائر)

    UP 0 DOWN

    02:44 مساءً 2008/08/05

  • 7

    شكرآ لك كثيرون في مجتمعنا منظرين وقد واجهنا مثلهم كثير في المجالس.
    يقول لك لماذا مثلا الدوله لاتعمل كذا وكذا وهو لم يقوم مثلا بترمييم بيته أو اصلاح شيء في بيته من سباكه وكهرباء.
    نعم كما قلت أكثرهم بخلاْ وشرهين في ما عند الغير. ومنضرين أكثر ولايعملون شيء يريدون الاخرين أن يقوموا بذلك.
    هم في الحقيقه فاشلين ولكن أن جلست معهم تقول ما شاء الله من علم ومعرفه. ولقد نصحني ابي رحمه الله بالتالي:
    أن اردت أن تآخذ براء أحد فالنظر كيف هو ناجح في حياته فأن كان ناجحآ فستمع له وأن كان فشلآ فلا تتجاوب معه.

    أبراهيم السويد (زائر)

    UP 0 DOWN

    03:35 مساءً 2008/08/05

  • 8

    هذه شخصية مااكثر عيناتها في المجتمع السعودي
    وهذا سبب تقهقر المجتمع
    في رايي
    أشكرك سيدي

    أحمد (زائر)

    UP 0 DOWN

    12:50 صباحاً 2008/08/06

  • 9

    اخي الكاتب عندي سؤال هل من الممكن الاستفاده منهم في حياتنا لان شف انت تقول انهم يفكر بشكل سريع وفي اي موضوع يعني باخذ منه راي حتى لو كان خاطي انا احس انهم عباقره لان بين الجنون والعبقريه شعره ولو تلاحظ معي نيوتن وادسون وغيرهم من العباقره قالوا عنهم انهم مجانين مع ذلك يخترع شى العالم يمشى عليه ومجبور عليه مثل الكهرب تقدر تعيش من دون كهرب شفت ما تقدر تقول لا

    ماجد (زائر)

    UP 0 DOWN

    02:36 صباحاً 2008/08/06




التعليق مقفل لانتهاء الفترة المحددة له

 

إعلانات



نقترح لك المواضيع التالية


ايقاع الحرف

ناصر الحجيلان

الخيارات

عرض الأرشيف
RSS ناصر الحجيلان
البحث في الأرشيف
للتواصل ارسل SMS إلى الرقم 88522 تبدأ بالرمز (210) ثم الرسالة

إعلانات