الثلاثاء4 شعبان 1429هـ -5 أغسطس2008م - العدد 14652

حول العالم

"لماذا لا تحرقوهم مبكراً؟"

فهد عامر الأحمدي

    عدت قبل أسابيع من رحلة آسيوية شملت الجزر الأندونيسية.. ومن المعروف أن جزيرة "جافا" تضم وحدها 90مليون نسمة (كأكبر جزيرة في العالم من حيث عدد السكان رغم مساحتها الصغيرة نسبيا) . وبما أن جميع سكانها تقريبا يدينون بالإسلام فلك أن تتصور عدد المقابر والمدافن التي تراكمت هناك بمرور القرون والأجيال ..

غير أن الوضع اختلف تماما حين انتقلت إلى جزيرة "بالي" حيث لم أر فيها أي مدافن أو مقابر واضحة . وكان من السهل تخمين السبب كون 93% من سكانها "هندوساً" يعمدون لحرق موتاهم والاحتفاظ برمادهم كذكرى.. ورغم ثقتي بهذا الاستنتاج إلا أنني توجهت بهذا السؤال (من باب اللقافة) إلى موظفة الفندق التي أكدت لي هذه الحقيقة وأخبرتني أنها شخصيا أشعلت جثمان والدتها المتوفاة قبل سبعة أشهر.. وقبل أن أعلق على كلامها سألتني قائلة : وماذا عنكم ألا تحرقون موتاكم!؟.. أجبتها مبتسما : لا ، نحن ندفنهم أولا ثم يحرق الله من يشاء.. ورغم أنني قلتها متهكما إلا أنها عادت وسألتني ببراءة واضحة : ولماذا لا تحرقونهم قبل ذلك!؟ فضحكت (من قلبي) وقلت : حسنا ، هذا موضوع طويل يصعب على غير المؤمنين فهمه !!

... على أي حال ؛ سبق أن لاحظت - في دول كثيرة أخرى - انتشار وكثرة المقابر بشكل لا يقارن بالسعودي - ة . وبالطبع لا يعود السبب إلى ان نسبة الوفيات في الخارج أكثر مما هي في الداخل ؛ بل لأن هناك فرقاً حقيقياً بين طريقتنا، وطريقتهم في التعامل مع الموتى واستخدام المقابر (حتى مقارنة بالدول الاسلامية)..

ففي معظم الدول الأخرى (مثلا) يوضع الميت داخل تابوت محكم ولا يعاد استعمال قبره أبدا . وهذا يعني وجود حاجة دائمة لمقابر جديدة ومدافن اضافية (لأن) التوابيت لا تتحلل والمقابر لا يعاد استعمالها.. أما نحن فيمكننا إعادة استعمال المدافن بعد فترة شرعية معينة (حددها بعض الفقهاء بخمسة وعشرين عاما) تتحلل بعدها الأجسام وتدخل ضمن عناصر الأرض (وهذا هو السر في قدرة بقيع الغرقد في المدينة على استيعاب الأموات منذ 14قرنا رغم مساحته الصغيرة)!

وهذه الأيام تحول النمو المتزايد للمقابر إلى مشكلة قومية في الدول الضيقة كهولندا وموناكو واليابان وجافا الأندونيسية. وفي محاوله لحل هذه المشكلة لجأ البعض إلى (الحلول الهندوسية) المتمثلة في حرق الميت والاحتفاظ برماده كذكرى. ورغم أصلها الآسيوي بدأت هذه الممارسة تنتشر في الدول الغربية وأصبحت تشكل في بريطانيا 17% وفي أمريكا 11% وفي ألمانيا 9% من طرق التخلص من الموتى.. بل كثيرا ما يتم حرقهم بدافع عاطفي أو رومانسي يفسره الخلف بمنظاره الخاص . ففي أمريكا مثلا يعمد البعض إلى تحويل رماد موتاهم إلى ألماس اصطناعي ولبسه حول العنق أو تعليقه كقرطين في الأذن.. وفي بريطانيا هناك رجل حول رماد والده إلى "إبريق" يتناول فيه الشاي يوميا لاستعادة ذكريات تناولهما الشاي في الأعوام الماضية.. وفي كندا هناك مؤسسة تدعى "دد آرت" تمزج رماد الموتى مع الطلاء لرسم لوحة للمتوفى يعلقها الأهل في صالة المنزل !!

... لا أخفيكم سرا - وبصرف النظر عن جغرافية المولد - مازلت أفضل دخولي ضمن مكونات الأرض بطريقة هادئة ...