الثلاثاء4 شعبان 1429هـ -5 أغسطس2008م - العدد 14652

للعصافير فضاء

المنظومة الواحدة (2-2)

نجوى هاشم

    من تابع نهائي بطولة ويمبلدون العريقة للتنس بين فيدرر السويسري، ونادال اللاعب الشاب الأسباني، والتي انتهت بفوزه، سحره ذلك التواضع من الأسباني نادال وهو يفوز للمرة الأولى في تاريخه بهذه البطولة التي عجز عن تحقيقها لثلاث سنوات، وأمام هذا اللاعب لتفوقه في اللعب على الملاعب الترابية، وتفوق فيدرر اللاعب الفذ الذي حقق الفوز ست مرات على الملاعب العشبية، لم يُصرح عقب الفوز الذي ركض بعده إلى أسرته لاحتضانها، أنه سحق فيدرر، أو حرمه من الفوز، وأنه الأول في العالم، وأنه وضع حداً لبطولاته، وأن عليه أن يغادر الملاعب لأنه البطل، على العكس انعكست ثقافة اللاعبين في الرياضة، ومفهومهم الحقيقي لها من خلال أن النتائج تأتي نتيجة جهود مكثفة، وقد لا تأتي، لكن ينبغي احترام الخصم في كل الأحوال، حتى وإن لم يكن بطلاً، وعدم الإفراط في الفرح، والشعور بالعظمة التي مصيرها الزوال.

وإن الرياضة هي من تعلم المشاهد، التواضع كتطبيق وليس كدعاية، وعلى الفائز مهما أبدع أن يكون متواضعاً، وفائضاً بأحاسيسه تجاه الآخرين، حتى لا يعتقد أنه تجاوز من حوله ويفقد احترامهم له.

وبعيداً عن هذه الرياضة الأرستقراطية والممتعة انتهت قبل حوالي الشهر بطولة أوروبا لكرة القدم، بعد أيام من المتعة، وجمال المتابعة للمشاهدين، بعد أيام من البحث عن إجابات لأسئلة لا تزال مطروحة ولعل أهمها أين هم في الرياضة؟

وأين نحن؟

وهل ما يمارس لدينا رياضة حقيقية؟ أم أننا نمارسها بطريقتنا المعتادة؟

وهو يعلق على إحدى المباريات أحد المعلقين الظرفاء الجدد، الذي لا يترك مساحة للمشاهد بأن يهرب من ثرثرته، قال "ياجماعة.. عندما ركزت الصورة على المشجعين، شوفوا مشجعيهم، هم غير واحنا غير، ملاعبهم غير، ولاعبيهم غير.. وهدوؤهم في الملعب، وانسحابهم غير.. وفِرقهم غير"..

طيب واحنا غير برضه "الكل أصبح متحالفاً مع الغير"..

ما لفت انتباهي في يورو 2008م هذا النمط التنظيمي الرائع، والتفاعلي مع البطولة، ومسؤوليات اللاعبين والمشجعين والمدربين وكل من له علاقة بالبطولة، حتى بدت هذه البطولة قمة في كل شيء وارتبطت بنجاحات متعددة أهلها بأن تكون من أروع البطولات، وأنجحها تنظيماً ومستوى، على اعتبار أنها قد تكون من وجهة نظر خاصة أفضل من كأس العالم من منطلق أن كأس العالم تشارك فيها فرق ضعيفة وبمستويات متباينة، وقد تخسر أهدافاً بالجملة وبعض هذه الفرق يشارك ليكمل عقد فرق البطولة فقط..

ومن تابع البطولة يكتشف أن هناك ما ينبغي أن تتوقف عنده مثل - تطبيق معنى الاحتراف كاملاً واحترام الأنظمة والقوانين من قبل اللاعبين، فلم يطرد لاعب تعمداً، ولم يعتد لاعب على حكم لمجرد طرده، ولم يتجمهر لاعبون حول حكم عند احتساب خطأ أو ضربة جزاء، أو هدف غير صحيح، أو إلغاء هدف صحيح.

اتُهم بعض الحكام بسوء التقدير، وليس بالخيانة وغياب الضمير والتواطؤ واعترف الحكام بالأخطاء، لكن لم يغير ذلك في نتائج المباريات بعد أن اعتمدت، على اعتبار أن الأخطاء واردة.

لم يستثن القانون أحداً، ولم يجامل لاعباً أو دولة مهما كانت مكانتها ولا يوجد لديهم قواميس العفو عن المخطئين الذين يجب أن ينفذوا عقوباتهم كاملة على الأخطاء التي ارتكبوها، ولا يعني نهائي أو نصف نهائي كما حصل مع تركيا، أن يتم العفو عن لاعب موقوف، أو مخطئ، بعكس ما يجري لدينا: كم من اللاعبين الموقوفين لعام أو مباريات تم العفو عنهم؟ ليس لحسن السيرة والسلوك، ولكن عفا الله عما سلف؟ كم من اللاعبين المشطوبين عادوا إلى الملاعب بعد العفو المفاجئ؟ وعادوا إلى أخطائهم - حتى إنني أعتقد أن اللاعب يرتكب الخطأ وهو يعرف تماماً السيناريو الذي سيصل إليه بعد ذلك، وأن الملاعب تنتظره - .

لم ينزل مشجع إلى الملعب بعد نهاية مباراة، ولم ينزل لاعب احتياط حتى عند النهائي ظل الملعب فارغاً إلا من احتفالية رائعة للفريق الأسباني، لم يذبح مشجع أحدهم أمام الكاميرا نكاية على ذبح الفريق الآخر واستهزاء به، ولم يتطاول لاعبو الفريق الفائز على المهزوم، وأن عليهم أن يبحثوا عن مهنة أخرى غير كرة القدم.

استقبلت الدول فرقها الفائزة والمهزومة بالذات باحتفالات مبهجة وبتكريم يليق بهم رغم عدم تحقيقهم البطولة وهذا هو الهدف من كرة القدم.

التنظيم كان على مستوى رائع داخل الملاعب وخارجها، والمشجعون يملؤون كل الملاعب وليس هناك مدرجات فارغة في أي مباراة، وكان التشجيع مثالياً، والمشجعون في أعلى درجة من الأناقة، والهدوء وكأنهم ذاهبون إلى حفلة أو فرح، وليس بملابس أو قمصان النوم.. لمن يريد مشاهدة بعض مدرجاتنا..

أخيراً وحتى لا أطيل أريد أن أسأل: هل لدينا كرة قدم حقيقية؟ أو لاعبون محترفون؟ هل نحن منهم؟.. أم أننا غير.. غير.. ولا يوجد مثيل لنا أبداً؟... بالمناسبة كل العالم العربي وليس نحن؟..