الأثنين 3 شعبان 1429هـ -4 أغسطس2008م - العدد 14651

في سباق محموم مع الزمن

زجال الأندلس "ابن قزمان" إنتاج تاريخي ضخم يصور في قصور دمشق القديمة

دمشق - محمد احمد طيارة تصوير - زكاء عزت الكحال

    مع بدء العد التنازلي لموسم الأعمال التلفزيونية التي ستدخل في المنافسة والعرض على شاشات الفضائيات العربية يدخل المخرج السوري محمد فردوس أتاسي في سباق استثنائي لايحسد عليه مع الزمن لانجاز تصوير المسلسل السعودي التاريخي "زجال الأندلس ابن قزمان" الذي كتبته أسمهان توفيق وينتجه التلفزيون السعودي ويجري تصويره في مناطق مختلفة من سوريا، "ثقافة اليوم" زارت احد مواقع التصوير في احد قصور دمشق القديمة "بيت نظام" وواكبت عن قرب تصوير عدد من المشاهد، موقع التصوير بطرازه المعماري وتشكيله المتجانس يشبه إلى حد كبير القصور العربية في الأندلس والتي لاتزال شاهدة الى الآن على تاريخ وحضارة الدولة الإسلامية آنذاك ، حكاية ورحلة "ابن قزمان" التي يتم إعادة إنتاجها تلفزيونيا بدمشق ربما نكون بحاجة إليها والى غيرها أكثر من أي وقت مضى لتعيد الى ذاكرتنا مجد تلك الأمة الغابر وتبث فينا ومضات نحن بحاجة لإعادة قراءتها من جديد ، أجواء التصوير كانت متزاحمة بالأصوات بين توجيهات المخرج وانشغال الفنيين وتركيز الفنانين، استمتعت مع المخرج بسهرة أندلسية عذبة في أحد مجالس النساء حيث حلقت الموشحات والقدود بين جنبات الموسيقى لتمتزج بنكهة الزمان والمكان، وبعد انتهاء التصوير التقيت بالمبدع المخرج محمد فردوس أتاسي الذي رأى بان إيقاعات المسلسل وشخصياته تحمل في ديمومتها وتشكيلها إرثا ثقافيا وفنيا وحضاريا عربيا وإسلاميا، ويضيف اتاسي : حاولنا تقديم مرئيات اللحظة واللقطة المفردة لحقبة تاريخية كانت مزدهرة برجال العلم والشعر والفنون والتراث المعماري الزاخر بالإبداع وذالك من خلال مرآة بصرية تتمايز فيها صراعات درامية وكوميدية خفيفة تحمل للمشاهد المتعة والفائدة، ويتابع أتاسي : مع الأسف أن غالبية الشعب العربي لم يعد يقرأ ويتواصل مع الكتاب، ومن هنا أردنا أن نقدم له لوحات ثقافية وفنية برؤية مشرقة تثير عنده التساؤلات والبحث عن مفردات ربما لايعرفها، ويكفي أن يحرض هذا العمل عقول وهواجس 5% من الشعب العربي ..

من جهته نفى الفنان عبد الرحمن الخطيب "المنتج المنفذ للمسلسل والذي يلعب دور "ابن قزمان" بان يكون هناك أي خلافات مع الفنانين السعوديين أو أي نية مبيتة من قبل لاستبعاد احد من الفنانين السعوديين بالمشاركة في هذا العمل السعودي التاريخي الهام وقال بحسرة : إن المشكلة تتلخص بان الممثلين السعوديين الذين تشاورت معهم من قبل والذين رشحوا للأدوار كانوا قد ارتبطوا بأعمال مع زميلنا الفنان حسن عسيري وعبد الخالق الغانم، وتحدثت مع زملاء آخرين لكنهم اعتذروا لأنهم حسب قولهم لايستطيعون العمل إلا في mbc ، الفنان الوحيد الذي ابدى رغبته بالمشاركة هو إبراهيم الحساوي ولكن من خلال وضعه شرط للتنسيق وهذا كما تعرف ويعرف الجميع في غاية الصعوبة لان أماكن التصوير في بلدين بعيدين، وأضاف بأنه حزين جدا لأنه لايوجد معه زملاء من المملكة وفي العمل القادم بإذن الله سيكون فيه تواجد وحضور واسع لفنانين سعوديين إذا سمحت لنا وزارة الإعلام بتبني وجوه جديدة، وحول دوره في المسلسل يقول : قبل أن اقرأ النص كنت أتوقع أن شخصية "ابن قزمان"تشبه شخصية جحا وبعد القراءة وجدت أن هذه الشخصية زاخرة بالكثير من الخصال الكريمة والشيقة ولها حضورها الثقافي والأدبي والسياسي في الحياة الأندلسية، وهذه الشخصية هي نتاج مرحلة بدأ فيها شيء من الانحدار في الثقافة والأدب وبدأ فيها التسلط، وكان ابن قزمان "زجال الأندلس" خير ناقد لتلك الفترة كالصحيفة اليومية التي تنقل هموم المفكرين والمثقفين والمبدعين، والمسلسل في النهاية يعطي فكرة حقيقية عن الحضارة العربية والإسلامية في الأندلس وقد تم الاعتماد على عدد كبير من المراجع ومراكز التوثيق العالمية والعربية، كما قمنا ببناء قصر في غوطة دمشق وأدخلنا بعض التعديلات والديكورات على بعض قصور دمشق مثل الأقواس والمشربيات وبعض الإكسسوارات وغيرها لتتناسب مع واقع العمارة الإسلامية في اسبانيا حيث تدور أحداث المسلسل .

د. حميد صابر الناقد والأستاذ الجامعي الذي قام بالمعالجة الدرامية لنص المسلسل يرى بان العمل ينطوي على توضيع العلاقة بين العرب والآخر وإبراز الدور الفاعل للعرب في النهضة الحضارية للغرب في القرن الخامس عشر ميلادي "فترة المرابطين" ويضيف بلا شك فان المؤلف لايتوقف عند الحدث التاريخي وإنما يؤسس الفكرة الدرامية على الحدث التاريخي حيث الحوار السلس وبعض المفارقات التي تتطلبها الكتابة الدرامية وأحداث هذا المسلسل تدور في مدينة قرطبة إحدى حواضر الأندلس والتي تميزت بوجود شعراء كبار كالشاعر الكبير ابن خفاجة والططيلي والأبيض وهم شخصيات حقيقية وليست افتراضية وكان لها تأثيرها آنذاك، وكان لهم شأنهم في الحياة السياسية والأدبية والاجتماعية، ويبين العمل كيف أن العلم والأدب ينشأ وينهض ويبدع عندما تتوفر له المناخات السليمة والرعاية من ولاة الأمر، كما يبرز المسلسل الدور السلبي وغير المضيء أيضا لبعض الشخصيات المتنفذة مثل "الزبير" احد ولاة قرطبة الذي كان متسلطا وصداميا مع الأدباء وتبدأ الأحداث على التصادم بين الشاعر والأديب الملتزم وبين موقف الزبير الذي يريد أن يكون الكل تحت عباءته ، وهناك جوانب وخطوط أخرى حاولت تكثيفها في بؤرة الحدث للاقتراب أكثر من المصداقية .

ويبقى أن نقول بان "ابن قزمان" هو شخصية عرفت بالأدب الشعبي الذي قدم الزجل العربي المتزاوج بين الفصحى والعامية وله أوزانه وطريقته في الكتابة والإلقاء، وفضلا عن هذا الجانب الأدبي فهو شخصية طريفة لها ميزات شعبية آنذاك، ونحن بحاجة إلى التعريف بتراثنا العربي والإسلامي في الأندلس، ذاك الإرث الزاخر بالفنون الإبداعية المتميزة والمتنوعة، وجعل هذه الشخصية التراثية قريبة إلى نفس المتلقي من خلال إعادة إنتاجها تلفزيونيا وعدم تقديمها فقط كمادة أدبية للدراسة ..

الجدير بالذكر أن المسلسل من الانتاجات التاريخية الضخمة ويشارك فيه نخبة من الفنانين السوريين مثل : تولاي هارون - ثراء دبسي - طلحت حمدي - شكران مرتجي - زيناتي قدسية - وسام نجم الدين -رغداء هاشم -اسكندر عزيز بسام داود - وغيرهم وسيعرض في شهر رمضان القادم على شاشة التلفزيون السعودي .