جامعاتنا وهي مؤسسات تربوية لازالت لم تلامس طموحاتنا بالشكل الذي نتمنى وهي ليست وحدها من يغيب عن الدور الاجتماعي بشكل شبه كامل فلدينا مؤسسات وشركات تجارية يملكها مواطنون وتجني أموالا طائلة ومع ذلك لا تقدم تلك المؤسسات شيئا يمكن تذكره في الدنيا من اجل الإنسان وليس من اجل أهداف ميتافيزيقية تمر عبر الإنسان.
استثني من ذلك كل مؤسسة تدرك معنى المسؤولية الاجتماعية ليس بتسليم الأموال إلى الأفراد تحت منظومة صدقات أو زكاة وإنما باستثمار طاقة الإنسان وتحويله إلى فرد منتج ونافع في المجتمع.
ولعلي هنا أتذكر تلك المقولة الشهيرة لرجل يستحق الإشادة والتقدير حيث خرج من كراج السيارات إلى أن أصبح أغنى رجل في العالم (بل قيتس) الذي يقول "ليس عيبا أن تولد فقيرا ولكن العيب أن تموت فقيرا".
أعود إلى قضية الجامعات وهنا يجب أن ندرك أن الجامعات ليست مؤسسات حكومية تؤدي عملا بيروقراطيا تعليما ينتهي بتخريج الطلبة وتوظيف الأساتذة فقط ومن ثم الدوران في تلك العجلة بيروقراطيا.
الجامعات هي المحرك الرئيس للمجتمع وخصوصا في الجوانب الثقافية والبحثية بل هي من المؤسسات المسئولة عن تطور المجتمع فكريا وحضاريا ولعل السبب في ذلك أن الجامعات هي المختبر الذي يجب أن يعمل بشكل مستمر لقياس درجة التغير في المجتمع وتحسين أداء الثقافة المجتمعية على جميع الأصعدة.
فهي التي يجب أن تقدم المنتج البشري للمجتمع وهي مراكز الأبحاث التي يستنير بها المجتمع طريق تطوره بل فيها تتم الحوارات وتقدم الوصفات الناجعة لكل مشكلة اجتماعية على اعتبار أن الجامعات هي مراكز إشعاع حضاري كما في كل دول العالم.
في مجتمعنا هناك الكثير من الجامعات بين عريقة وحديثة وهذا ما يجعلنا كمجتمع نتساءل عن تلك الجامعات ومسؤولياتها الاجتماعية والتي يطمح المجتمع إلى أن تكون مؤسسات تربوية تخدم المجتمع بشكل حقيقي ولا تكون كتلك المؤسسات والشركات التجارية التي يغيب معظمها عن خدمة المجتمع، بل إن بعضها يلعب لعبة فكرية خطيرة ويستخدم المجتمع وعاطفته الدينية لترويج شعارات الكسب تحت هذه المظلة ولقد كنت ولا زلت احد الذين يقاطعون مثل هذه الشركات ومنتجاتها وكل ما له علاقة فيها لإيماني الشخصي بأنها تستغل المجتمع أكثر من نفعها للمجتمع.
جامعاتنا هي جزء من تكويننا التربوي ونتوقع منها أن تشارك كثيرا في عمليات اجتماعية واقتصادية وسياسية ولكن يبدو أنها لم تقدم نفسها للمجتمع بشكل جيد والسبب في ذلك هو إصرار مستمر على أن تكون مؤسسات بيروقراطية ينتهي عملها بشكل بيروقراطي محسوب من خلال ساعات معينة حتى لو كانت مسائية.
كما أن الكثير من جامعاتنا وبقدر قدرتها على تخريج الطلاب أصبح لديها قدرة على تهجير الأساتذة والأكاديميين خارج إطارها بل إنها لم تعد بيئات جاذبة وأصبح الأستاذ الجامعي يفهم دوره في المشاركة الاجتماعية من خلال كم الاستشارات التي يؤديها خارج نطاق عمله.
لقد أصبح الأستاذ الجامعي لا يطيق البقاء في جامعته كثيرا من الوقت بل يحاول التخلص من كل دقيقة يمكنه التخلص بها من الجامعة ليقضيها خارج الجامعة. الحقيقة التي يجب أن ندركها هنا أننا يجب أن لا نلوم الأستاذ الجامعي فهو أيضا لا يحصل على عائد مادي كبير يمكنه من لعب دوره الحقيقي، بل إن موظفا في الإدارة الوسطى في القطاع الخاص يتقاضى راتبا ربما كان ضعف راتب أستاذ جامعي وهذا من المثبطات كما اعتقد.
هناك قضية أخرى مهمة وأساسية وهي الكيفية التي يتم بها اختيار الأساتذة في الجامعات فهم يتم اختيارهم كمعيدين بموجب ما يحصلون عليه من درجات وليس بموجب قدراتهم ومؤهلاتهم الفكرية كونهم سيصبحون أساتذة في الجامعة وهذه الطريقة معلومة نتائجها.
كما أن البيئة الجامعية اليوم وبحسب ما نراه عندما كنا طلابا وبحسب ما يرويه لنا الطلاب اليوم عن علاقتهم بأساتذتهم وعن علاقة أساتذتهم ببعضهم توحي بأن هناك خللا كبيرا بل إن الأمر في بعض الأحيان يتطلب إجراء اختبارات اجتماعية ونفسية للمتقدمين لوظائف المعيدين لكشف تأهيلهم الاجتماعي لمثل هذه الوظائف.
جامعاتنا لا بد وان تحل الكثير من المعوقات الداخلية قبل أن تصبح علاقتها في المجتمع مكتملة كما نتوقع منها.
المجتمع يتوقع من الجامعات أن تكون مصنعا حقيقيا للرجال بالإضافة إلى كونها مركزا للحوارات الاجتماعية والثقافية ومركزا للأبحاث وبيئة تحتضن المجتمع وأفراده وأنشطته المختلفة وهذا هي المقومات التي نستطيع من خلالها أن نطلق على تلك المدن السكنية والمباني جامعات، أما خلاف ذلك فيجب أن نبحث عن مسميات أخرى تنطبق على تلك المدارس الكبيرة.
اعلم أن هناك قصورا كبيرا يجتاح جامعاتنا ويجب أن تسهم الجهات العليا في الدولة في تذليل صعوباته وخصوصا كادر أساتذة الجامعات بالإضافة إلى ضرورة إعادة كتابة مهام جامعاتنا وسياساتها وبناء شراكات بينها وبين مؤسسات الدولة المختلفة.
إن ما نتوقعه من جامعاتنا في سبيل خدمة المجتمع ليس خدمات مجتمعية فقط فعلى سبيل المثال يجب أن يكون هناك شراكة فعلية بين الجامعات و بين مؤسسات مثل الصحة والتعليم والقطاعات العسكرية والأمنية لإنشاء مراكز بحوث لهذه الجهات داخل أروقة الجامعة وتجرى فيها التجارب والدراسات وتنطلق منها السياسات الخاصة بمثل تلك المؤسسات.
بهذه الوسائل وغيرها تقدم الجامعات خدمتها للمجتمع على جميع الأصعدة بدلا ممن تحولها إلى مدارس كبيرة.
في جامعاتنا تجارب فريدة نحو المساهمة في تفعيل دور الجامعات اجتماعيا ومهنيا ومنها على سبيل المثال تجربة نفسية اجتماعية نقلها لي معالي مدير جامعة الملك فهد للبترول والمعادن الدكتور خالد السلطان يقول إننا نعمل في الجامعة على فلسفة تقوم على أن يشعر الطالب بتقدير واحترام واهتمام من الجامعة لحظة دخوله فيها وحتى يتخرج فنحن نهتم به في كل خطوة يخطوها ونقدر كل اهتماماته فعندما يشعر الطالب بتقدير الجامعة له يدرك قيمتها ويدرك قيمة النجاح والتفوق فيها.
وفي جامعة أخرى أتذكر تلك التحولات الكبيرة التي أحدثها معالي مدير جامعة الملك سعود الدكتور عبد الله العثمان وكيف استطاع خلال فترة وجيزة أن يغير من صورة الجامعة حيث اتضحت خطوات نحو قيادة الجامعة إلى دورها الاجتماعي بشكل سريع.
هذه الأمثلة ليست لقيادات تربوية خارج مجتمعنا ولكنها تجارب محلية يجب أن نشيد بها فمنها شرارة تحويل الجامعات نحو خدمة المجتمع، صحيح أن جامعاتنا لم تلامس طموحنا الاجتماعي ولكن الذين يضعون أو يحاولون وضع جامعاتنا على هذا الطريق يجب أن ندعمهم بكل وسيلة ممكنة.
البيئة الجامعية هي وحدها القادرة على صناعة مفاتيح التحضر والتقدم وهي وحدها القادرة على محاربة التخلف والتقهقر والتشدد والتطرف كذلك لذلك يجب أن يقف المجتمع خلفها بطريقة داعمة وخصوصا الجهات المسئولة وان تُمنح جامعاتنا فرصة اكبر لتغيير جلودها التي مر عليها زمن طويل وان تعاد قراءة مهامها وسياساتها بطريقة تجعلها أكثر انفتاحا على المجتمع وخدمته. كما أننا بحاجة إلى أن نفتح أبوابنا لكل مؤسسات التعليم العالمية العريقة بتسهيل فتح فروع لها وتشجيع تواجدها فبوجودها تخلق المنافسة ويفتح مضمار السباق نحو الأفضل.