بعض المصطلحات التي أصبحت تتداول في الأوساط الثقافية المحلية تعبيراً عن الانتماء الفكري تمثل حالة التباس ثقافي يصل حد التضليل يدور الجدل حول تيار ليبرالي يعبر عن نفسه بآحاد تتقمص تميز الانتماء لكن تضيع وسط هذا الجدل المفاهيم المؤسسة للمعنى الحقيقي لليبرالية.
يتحدث بعض من المثقفين السعوديين عن تيار ليبرالي، ويعطون لهذا التيار بعداً معتبراً وكأنه يمثل حقيقة ماثلة في المشهد الثقافي.. وليس مجرد تعبير عن آحاد أو مجموعات تتذوق مفهوم الانتماء لهذا التيار.. ولكن تعجزها أدواتها عن تحرير المصطلح محلياً. ويصابون بحالة من الارتباك في أي مواجهة تستحق ان تكشف ابعاد هذه الليبرالية ومفاهيما في بيئة تتناول نخبوياً هذا المفهوم وتعجز عن استيعابه عملياً.
ماذا يعني مفهوم تيار، قبل أن يربط بأي نوع من وهج الانتماء لهذا الفريق أو ذاك، ممن بات يعيش معارك صغيرة يومية على مآدب النقاش والحوار، التي قلما أثمرت عن فكرة يمكن التيقن من حقيقتها وربما كانت أقرب للأحلام الجميلة التي تداعب خيال بعضهم حتى يشعر بمعنى الانتماء لتيار. وربما كانت تعبيراً عن غريزة الانتماء وسط حرب المصطلحات في مجتمع مازال في طور التشكل والتحول الثقافي. وهذا أمر يمكن تقديره واخذه بالحسبان عند أي قراءة لملامح مثقفين لا ملامح تيار أو مجتمع يدمغ نفسه بهذا الانتماء أو ذاك.
افهم أن التيار له سمات واضحة وله شروط يمكن التحقق من صحتها أو على الأقل ملامستها للواقع اليومي. التيار يعني تدفق جار في مسار حر قد يجد المعوقات لكنه ماض يحفر طريقه وسط الصخر أو يتسرب بين الشقوق، لكنه ماض لتكوين تراكم مستمر متدفق. أين هو ذلك التيار الليبرالي إذن؟ أين يصب وكيف يتدفق وهل هناك قراءة واضحة في مشروعه؟
هناك مثقفون ليبراليون حتماً وجديرون بالاحترام، إلاّ أن عددهم ضئيل وتأثيرهم تأثير آحاد لا حركة تيار وسط مجموعات من المصفقين أو المدعين تحت شعار ليبرالية يأخذون منها ما يشاؤون ويتركون ما يشاؤون. لكن لا يوجد - على الأقل - وفق مشاهدة وملاحظة قارئ في مشهد ثقافي أي ملامح لها صفة التيار. لنتواضع إذن قليلاً ونتحدث عن آحاد أو مجموعات تحمل تلك الرؤية. وربما تجد الوسائل لقول بعض ما تريد قوله، لكن هذه القلة أيضاً محاطة بوسط لا يرى الليبرالية إلا وسيلة لخدمة أهدافه الضيقة وتتماهى مع رؤية الخاصة للواقع، حتى تأخذ ما تشاء وتتنادى بقوة في قضايا تمس وعيها لكنها تغفو بل تنام نومة أهل الكهف عما هو انكى وأقسى في تناقض يقلب المفهوم اليبرالي رأساً على عقب. ربما كان ثمة تكوين ثقافي يتطور وينمو، إلاّ ان البحث شاق عن تيار له صفة الانتماء الدقيق للمفهوم والقدرة الأكثر تأثيراً في اكتشاف الخلل ومقاربته لمشكلات الواقع عبر توظيف ذلك الوعي بدرجة أكبر من النضج والصدق مع النفس والآخر.
الليبرالية في نظري ايديولوجيا لكنها ايديولوجيا مفتوحة لا موصدة الأبواب، ليست حزباً لكنها رؤية ليست منظومة أفكار مختومة بطابع الولاء لمشروع نظام قدر ما هي اعتناق لفكر ينتظر لحالة عقلية نقدية تقارب الفكر التنويري وتتماس مع الحداثة ويفتح افاقاً واسعاً لإبداع الفرد وتمجد الحرية الفردية والحرية باختصار هي العنوان الكبير لليبرالية.
وفي التطور الليبرالي بين الحرية والقانون الذي يتواضع عليه المجتمع مساحات لا يمكن اغفالها أو تجييرها أو التهاون بها. الليبرالية بهذا المفهوم أفرزت مشروعات لها علاقة بالاقتصاد والسياسة وقدرة المجتمع على الحراك، فالحرية الاقتصادية هي بنت الليبرالية لكنها في ذات الوقت ربما قيدت لمصلحة فئات اجتماعية حتى لا يتغول عليها رأس المال إلى درجة سحق الطبقات المعدمة، والديموقراطية الغربية هي وسيلة سياسية انبثقت عن الفكر الليبرالي كمنظومة سياسية تعني قدرة الفرد وبالتالي المجتمع على فرز واختيار ممثليه وبالتالي حقه في الاختيار عبر التواضع على فكرة الأغلبية في مواجهة فكرة التغلب أو الحكم التسلطي الفردي أو الثيوقراطي.
الليبرالية ليست عنواناً بائساً وصغيراً يتم توسله لمواجهة نوع من الفكر الديني في ظرف انتهازي تستدعيه حالات هنا أو هناك. الليبرالية حزمة حقوقية إذا أردنا مقاربتها حقاً.
الليبرالية ليست فكرة المع والضد في قضايا صغيرة تثير حساسيات اجتماعية يسهل تناولها وكسب الضوء الإعلامي والشهرة المفتعلة عبر الولوج في معاركها. الليبرالية تعني صدقية مع الذات أولاً، وانسجام مع الرؤية الكبيرة التي تحتلها الليبرالية للآخر قبولاً واعترافاً، الليبرالية بهذا المفهوم هي عنوان أصعب بكثير من قدرة البعض ممن يحاول ان يتلمس فيها حالة انتماء لكن كثيراً ما يبدو مضطرباً ومشوهاً ومتناقضاً.
الليبرالية ليست رؤية موجهة ضد الدين، لكن لنكن صادقين مع أنفسنا عن طرح هذا المفهوم، أنها تجعل الدين مساءلة شخصية، أو على الأقل ليس من خلال الدين يمكن الوثوق بفكرة تقدم عبر استدعاء منظومة أفكار لها نسق ايديولوجي ديني مغلق يحكم المجتمعات. وهذه عقدة لم يحررها بعد المثقف الليبرالي السعودي. فاستدعاء الوعي الليبرالي وسط محيط ثقافي يشكل المفهوم الديني والفكر الديني جزء لا يتجزأ من منظومته المعرفية والثقافية وعلى طريقة الحزمة الواحدة التي لا تقبل قراءة مشهد آخر ولا تتلمس ابعاده وتعيش في عالم خاص ترسم ملامحه على طريقتها لكن تصدم في أي لحظة مواجهة.
ولذا يهرب بعض الليبراليين في حالة المواجهة إلى المداهنة أو المزاوجة بين وعي ووعي، بين نسق ليبرالي له شروطه وقيمه التي تقدم مشوهة ومجتزأة وبين نسق آخر ينتمي إلي منظومة ايديولوجية أخرى تستمد وعيها من مشهد ثقافي يكتسح الشارع. أي إن الليبراليين السعوديين وان كانوا يحملون ولاء لقيمة الحرية الفردية ومساحات الإبداع بكل عناوينه، لكن يخذلهم وعيهم أو قدرتهم على الانسجام بين رؤية ليبرالية تطال كل تفاصيل هذه الحرية من مستوى ا لفرد إلى مستوى اختيار المجموع.. إلى درجة الانهماك في هذا الجانب الضيق الذي يتيح لهم الولوج إلى معارك جانبية صغيرة غير منتجة، تستدعي دائماً ألمع والضد من دون اكتشاف المعنى الأكبر لقيمة التحرر من مصطلح لم يتبلور بعد عن مفاهيم يمكن اعتناقها في الداخل. فتلك المعارك منصبة على جانب صغير يستهلك القوى.. إنها معارك كنشوتيه مع تفاصيل صغيرة تطال سلوكيات تيار آخر له سمة التيار، جعل قضيته العظمى أيضاً مقاومة تيار علماني لا وجود له بمفهوم التيار أيضاً، وحضور ليبرالي مهدد لثقافة وانتماء وتكوين مجتمع، وعناوين خادعة تستهلك القوى من دون طائل.
بعض النماذج الليبرالية لا تسر الناظرين، الممارسة شيء، والترف الفكري والتنظيري شيء آخر. إذا كنا نملك الشجاعة لاكتشاف الحقائق وإعلانها من دون قلق علينا ان نكتشف ان لا ثمة تيار ولا ثمة فكر ليبرالي له جذور، ولكن ثمة إضاءات تستحق البحث عن معاني البقاء لا عبر الفرز، ولكن عبر البحث عن القواسم المشتركة أي البحث عن تكوين ثقافي ثالث آراه اليوم هو الوسيلة الأجدى لتحقيق خطوات في طريق تمكين الإنسان من العيش بكرامة وحرية تخضع لنظام وقانون يتوافق عليه المجتمع تحت أي يافطة أو عنوان، المهم الوثوق بقيمة الخطوة وفاعليتها وأثرها.. لا باستدعاء مصطلحات نحن شغوفون بها أكثر من شغفنا بالحقيقة ذاتها.
معارك حقاً تستعر بين وقت وآخر أبطالها ليبراليون على ورق، مقابل تيار إسلاموي يتوهم خطورة مبالغاً بها ويراها قضيته الأكبر ومجال نضاله الأهم.. النتيجة النهائية العودة لنقطة البداية لا غالب ولا مغلوب لا نتيجة مثمرة ولا خطوة في الطريق.
أوهام النضال الليبرالي ومدافعه الإسلامي خلق جزر معزولة تستدعي فكرة البحث عن ملامح تكوين ثقافي يستجيب لأشواق الإنسان بالحياة من دون تزوير أو تضليل مهما بلغت الصعوبات وتراكمت المعوقات. أما هذا التكوين، فهو تكوين قادر على تجسير الهوة بين الفريقين، وربما يمكن اطلاق الوطني على ملامحه، أي البحث عن إمكانية بناء ميثاق ثقافي وطني له ملامح تؤكد المشتركات الكبرى بين أطراف لها هاجس البحث عن التقدم والنمو وحق الإنسان بالحرية والكرامة مع الحفاظ على أسس الثابت واحترامه من حيث كونه ثابتاً سواء في مدلولاته العقدية أو حيز الانتماء الوطني. واعترف بصعوبة هذا الطرح لأنه يعني التخلي لدى البعض عن تصور نهائي وربما وظيفة يعيش في ظلالها. إلاّ ان الأصعب فيه رسم ملامح تلك القاعدة الفكرية المشتركة التي يمكن ان ينطلق منها هذا الميثاق عند محاولة كلا الطرفين طمس ملامح الآخر.
هل يصعب ان يتبلور تيار وطني لا ينشغل بالخصومات المفهومية التي تجذرها ولادة تلك المصطلحات في بيئاتها الأولى.
هل يمكن تحويل تلك اللغة المستفزة التي تؤول للمفهوم في تربته الأولى إلى معاودة بناء منظومة ثقافية وطنية.. لها ملامح الانتماء بدون احراق البخور حول المفاهيم والمصطلحات والاحساس الداخلي بزهو المعارك الصغيرة؟