الأحد 2 شعبان 1429هـ -3 أغسطس2008م - العدد 14650

ايقاع الحرف

الشخصية المشدودة إلى الأرض (1/2)

ناصر الحجيلان

    نواجه في حياتنا شخصيات ذات حماس متّقد ونشاط حركي بارز وخاصة عند مقابلتهم لأوّل مرة، ولكن ما أن تتعرّف على أحدهم وتخالطه حتى تجده كسولا خاملا مشدودًا إلى الأرض يواجه عبئاً شديداً في القيام بأبسط المهام الروتينية. فإن كان طالباً فيبدو في أول محاضرة مصيخاً لكل كلمة تقال، يكتب ويسأل ويناقش، ولكنه يومًا بعد يوم يبدأ يتأخر ويغيب ثم ينتهي به المطاف إلى الإهمال التام. وإن كان موظفاً فإن تحمّسه للعمل في البداية يكاد يمزّق بدنه، ولكنك بعد أسابيع تجده قد فتر وصار يكره العمل، يمشي إليه وكأن أحداً يدفعه بالقوّة ولايفكر إلا بنهاية الدوام.

صاحب هذه الشخصية لديه أفكار كبيرة وطموحات ضخمة، لكنها لاتبرح مكانها في عقله. يدهشك حينما يتكلم عن تلك الأفكار ولكن دهشتك ستزول حينما تكتشف أنه لايجيد سوى العرض النظري المكرر.

يعيد المحللون النفسيون السبب في هذا السلوك إلى أمرين، الأول أن ترجيع الشعور عند هذه الشخصية قصير، وفيه تتكوّن الأفكار وتنهض ولكنها لا تلبث أن تخمد بعد مرور فترة زمنية عليها، لأن الشعور لايعطيها الفرصة لكي تأخذ طريقها للاستمرار، والسبب الثاني وهو الانفعال الجديد. فهذه الشخصية محكومة بمجموعة انفعالات تجعلها تتحرك، ولكن مدة بقاء الانفعال قصيرة يمكن أن يقلبها انفعال آخر جديد فيغير من اتزانها ويتحكم برؤيتها من جديد.

ولأن بواعث الانفعال هي مثيرات خارجية مما يدور حول الشخص وما يتعامل معه، فإن حركة الشخصية محكومة بتلك المثيرات؛ فلو سمع أحدهم محاضرة عن أهمية صناعة الطائرات مثلا، فإنه يتحمّس للفكرة ويخطط في خياله للقيام بمشروع صناعة طائرات ويبدأ يحدث نفسه جدياً بالموضوع. ولكن هذا الموضوع يخمد غداً أو بعد غد إما بسبب بروز موضوع جديد سمعه مثلا عن أهمية التمثيل المسلسلات وصار يفكر جدياً أن يكون ممثلا مشهوراً، وإما بسبب اعتراض أي ظرف جديد حياته كأن تُصدم سيارته أو يكلّف بسفر من جهة عمله أو يتخاصم مع زوجته..إلخ، فأي حدث يحصل له سوف يغير وجهة نظره في المشروع لأن المواقف تستنفد طاقته كلها، وقد يكون السبب الذي يعيق مشروعاته هو تفكيره في ذاته وإقراره بأنها عاجزة عن العمل لوحدها؛ ولهذا يظل يبحث عن معين له. ولأن هذا المعين لن يظهر ببساطة ولن يقوم بمهمة الخادم للأفكار، فإن اضمحلال تلك الأفكار هو النتيجة الحتمية.

إن هذه الشخصية لايمكن أن تنجز أعمالا لوحدها، بل تحتاج إلى العمل مع المجموعة ليس للتعاون معها بل لأن المجموعة تحرضها على الإنجاز وتغريها بالبريق أمام الآخرين. يحتاج هذا النوع من الناس إلى الحث الدائم والتحفيز المستمر لتأدية الأعمال الجديدة، أما الأعمال الروتينية فإنهم يقومون بها آلياً لأنها مألوفة ضمن خبرتهم الذاتية.