أصدر مركز المسبار للدراسات والأبحاث والذي يتخذ من مدينة دبي بدولة الامارات مقراً له كتابه العشرين "أغسطس 2008" بعنوان "حركة حماس"، الذي يتناول حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية؟ إلى أي مدى هي حقاً "إسلامية" الطابع والهوية؟ وكيف تعمل فعلياً أجهزتها؟ ومن هي تلك الشخصيات المتخفية وراء تلك البزات المرقطة؟ وكيف تمتد شبكات علاقاتها الداخلية والخارجية؟
يشارك في هذا العدد نخبة من الباحثين المتخصصين في الشأن الإسلامي عموما، وفي دراسة الحركات الفلسطينية، من داخل الأراضي الفلسطينية وخارجها، حيث يرصدون بدقة تاريخ الحركة، ومنطلقاتها، ويقدمون عرضاً وتحليلاً لأبرز الاشكاليات والقضايا التي أثيرت ولا تزال حول نشأة هذه الحركة وأصول خطابها الديني والسياسي، وتطورها كحركة سياسية، وكمشروع مقاومة، مع التركيز على مجالات عملها واهتماماتها ورؤيتها للصراع وأطرافه، وإن كان لا يغفل الحديث عن أبرز الشخصيات والرموز في تاريخها، مع دراسات استشرافية لمآلات المأزق الفلسطيني الراهن.
بداية يتناول الباحث الفلسطيني الدكتور حسين أبو النمل، بالعرض والتحليل والتقويم، موضوعاً ساخناً ودقيقاً، يقوم على فكرتين رئيسيتين وتأسيسيتين هما: ميراث حركة حماس لتراكمية دور ومكانة الإسلام في الحياة الاجتماعية لفلسطين تاريخياً، منذ دخلها الإسلام ودخلت فيه قبل حوالي (14) قرنا هجريا، ثم تحول حماس تدريجيا نحو السياسة، بالمعنى العملي للكلمة. من جهته، يتابع الأكاديمي الفلسطيني الدكتور رائد نعيرات اشكاليات علاقة حماس باسلاميي الداخل الفلسطيني، وخصوصاً حركة "الجهاد الإسلامي" و"الحركة الإسلامية" في أراضي 1948، وأسباب عدم بلورة اطار تنظيمي موحد يجمع هذه القوى، على غرار ما فعلت منظمة التحرير الفلسطينية في بداياتها.
أما الدكتور محسن صالح فيسعى في دراسته الى التأريخ لتجربة حركة حماس، من خلال استعراض مسيرتها في الفترة 1987-2005، أي الفترة التي سبقت فوزها في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني. وهي تركز بشكل خاص على التطورات السياسية والفعاليات النضالية المتعلقة بهذه الحركة. وتوضح كيف وصلت الحركة إلى مكانة تؤهلها بأن تكون عنصراً فاعلاً في الساحة الفلسطينية، ورقماً صعباً لا يمكن تجاوزه في أي معادلة سياسية.
وفي دراسة بعنوان "حماس: المواقف والتحديات"، يعرض الباحث خالد فياض لتداعيات انخراط حركة حماس في العملية السياسية، فمنذ قررت الحركة الانغماس في صلب العملية السياسية الفلسطينية بشقيها: منظمة التحرير والسلطة الوطنية، لم ينقطع سيل التساؤلات عن مغزى هذه الخطوة، أسبابها وأهدافها القريبة والبعيدة، وتداعياتها على جوهر الحركة وخطابها الداخلي والخارجي. من جهة أخرى، لم يحدث أن حظيت علاقة فلسطينية/عربية/إسلامية بالاهتمام والمتابعة، التي لقيتها ولا تزال علاقة (حماس) بكل من إيران وسوريا، وعن خلفيات هذه العلاقة واشكالياتها يحاول الناطق باسم حماس في لبنان رأفت فهد مرة الاجابة في بحثه المعنون "حماس وإيران وسوريا: مصالح استراتيجية في مناخات متوترة"، فما هي الأسباب التي تكمن خلف التحول الكبير في علاقة حماس بكل من ايران وسوريا؟ وما هي تداعيات هذه العلاقة الثلاثية على مستقبل حماس في الداخل والخارج؟ بدوره يرصد ياسر علي كيفية تشكل "صورة" كل من الشخصيتين القياديتين في حماس، المؤسس الشيخ أحمد ياسين، وخليفته الدكتور عبد العزيز الرنتيسي، في نفوس الفلسطينيين عموماً، وأنصار الحركة خصوصاً، فأصبحتا قادة وقدوة لهم. فهو يرى أنه وخلافا للاعتقاد الشائع، فإن الشيخ ياسين والدكتور الرنتيسي، هما شخصيتان غير متشابهتين، وقد تمثلت صورة "الضعيف القادر على كيد العدو" في الشيخ ياسين، وصورة "العنيد القادر على كيد العدو" في الرنتيسي.
وفي موضوع ما يزال يثير الكثير من الجدل بين الباحثين وحتى داخل الحركة نفسها، يقارب الدكتور عماد جاد جدليات السياسي والعسكري في علاقات حماس مع "الدولة" الفلسطينية، فاذ يشير الى مواقف وتصريحات عديدة من مستويات قيادية مختلفة في (حماس)، تتمحور حول إمكانية قبول الحركة بدولة فلسطينية على أراضي 1967، يثير التساؤل المبرر حول حقيقة موقف حماس من فكرة الدولة الفلسطينية المستقلة.
في المقابل، يرى الدكتور إياد البرغوثي في دراسته عن "الحسم العسكري في غزة: المقدمات والنتائج"، أن أزمة المشروع الوطني الفلسطيني لم تبدأ في يوم 14(يونيو) حزيران 2007، عندما فرضت حماس سيطرتها العسكرية على قطاع غزة، بل كانت تلك الأحداث إحدى حلقات تلك الأزمة. وفي زاوية عروض الكتب يعرض هذا الملف لكتاب الصحافي البريطاني من أصل فلسطيني زكي شهاب "حماس من الداخل: القصة غير المروية عن المقاومين والشهداء والجواسيس"، والحوار المطول الذي أجراه رئيس تحرير صحيفة "الحياة" غسان شربل مع رئيس المكتب السياسي لحماس خالد مشعل ولاحقاً أصدره على شكل كتاب حمل عنوان "حركة حماس وتحرير فلسطين". أما دراسة العدد المستقلة، فهي تأتي ضمن سلسلة "في العقل الأصولي"، وحملت عنوان "الإسلام الليبرالي: إشكالات نظرية" للدكتور أحمد البغدادي الذي يرى أن الإسلام بمرجعيته الدينية المقدسة السرمدية المطلقة، والليبرالية بمرجعيتها البشرية النسبية، يجعلان من الحديث حول الدعوة ل"الإسلام الليبرالي"، مادة لا تخلو من الطرافة والتعجب، لكن في الوقت عينه يسأل هل من الممكن الجمع بينهما في إطار واحد، سياسياً كان أم اقتصادياً أم اجتماعياً؟ هذا، واعتباراً من هذا الإصدار من كتاب المسبار الشهري، تم إضافة باب جديد، بعنوان "ذاكرة الكتاب"، هو عبارة عن فهرسة لتواريخ الأحداث الواردة ضمن دراسات الكتاب، ليسهل على القارئ العثور على تاريخ أي حدث بسهولة.