الأحد 2 شعبان 1429هـ -3 أغسطس2008م - العدد 14650

للعصافير فضاء

المنظومة الواحدة (2/1)

نجوى هاشم

    قبل سنوات كان يتباهى المثقفون بأن لا خلفية رياضية لديهم، وأنهم لا يفهمون في كرة القدم سوى أنها كرة "مدورة" ويتكئون على ذلك من منطلق أن المثقف يجب أن ينأى بنفسه عن هذه التي تشغل الناس والشباب، وتلغي ذاكرتهم عندما يتابعونها، أو يتحدثون عنها، بل وقد يتقاتلون من أجلها، عندما تختلف الأهواء ويتعصب كل منهم الى فريقه، فكم من الحروب قامت من أجل هذه الكرة التي تركل بالقدم كترفيه ولكنها تتحول إلى ضرب وعنف وغضب ودماء.

كانت هذه هي القيم التي يزرعها المثقفون، بل ويتباهون بها

يتباهى المثقف "جزافاً" أنه جاهل في كرة القدم، ولا يعرف فيها أي شيء.

بل قد يعتبر كل من يتابعها، أو يركض خلفها ليس لاعباً، بل مشاهد ومشجع وإنسان فارغ وليس لديه أي ثقافة حقيقية تجعله يُسقط هذا الغثاء الرياضي ويستند إلى ما يقرأ من أجل أن يفرق بين أهمية الثقافة المقروءة وبين المشاهدة الراكضة، وأن يتمكن من عمل تقاطع بين تثقيف عقله وذائقته، وبين التثقيف السطحي الذي لا يغذي إلا اللحظة.

وكان كل مثقف يُسأل عن متابعته لكرة القدم، أو حدود فهمه لها، يرد بالسخرية، والاستهزاء، وبأن حدود معرفته لا تتجاوز مسمى ما يركل كرة، يكرس ذلك تحالفات المثقفين إزاء الرياضة عموماً وإخراجها خارج لعبة الثقافة التي يعنون بها كما يعتقدون.

خاصة أن بعض المثقفين يعتقدون أنهم مكلفون بالتفكير في هموم هذه الأمة، وطرح قضاياها، ومعالجتها، وأنهم القادرون على إخراجها من نكباتها بالكلمة، وفضح الحقائق التي لا تتجاوز في الغالب أطرافها.

وان ما تقدمه الكرة لا يتجاوز نطاق إلهاء هذه الأمة المهمومة بمشاكلها، والغارقة في كوارثها.

كما أن هذه الكرة ليست سوى فخ منصوب لإلهاء الشباب، وانزلاقهم في بحر من التفاهة وتجاذبات الفراغ. وعلينا أن نساعدهم بما نكتب، أو بما نروّج له ليحتفظوا بتوازنهم الذي تسرقه منهم كرة القدم، وان هذا الوقت المغيّب في متابعتها، ينبغي أن يكون ملكاً لأمور أكثر أهمية، تخدم الأمة، وتساعد على اظهار قدراتها، وانقاذها مما يتربص لما من الأعداء.

كان هذا هو منطق الأبراج العاجية التي عاش فيها بعض المثقفين وظلوا يروجون للثقافة من منطلق انفصالي، وليس منظومة واحدة ربما لظروف ذلك العصر المتباعد في تواصله، والذي كان يخجل المثقف أن يعترف أنه متابع لمباراة حتى لا يتعرض لانكشاف حقيقته الفارغة كما يعتقد.

الآن وبعد انتشار الفضائيات، وبعد تمازج الثقافات وعدم قدرة أي فرد متابع على الفصل هل بالإمكان التعامل مع الرياضة من هذا المنطلق؟

هل بالإمكان لمثقف دخل سوق الأسهم أن لا يحاول الدخول من بوابة الثقافة الاقتصادية؟

هل عليه أن ينفصل عن ابنائه، أو أصدقائه عندما يتابعون مباراة كرة قدم محلية، أو عالمية يحاول أن يعرف من هؤلاء الذين يركضون؟ أو ما هي اصول اللعبة؟

هل عليه أن يقف على حدود السماع في الفن أو السينما؟

هل عليه أن يغلق حواسه ليهرب مما يجري حوله من كوارث سياسية؟

لا أتصور ذلك لأن كل متابع حتى من غير المثقفين أصبح أسير ما يجري أسير متابعة جنازات الكوارث، أسير متابعة ضحايا الأسهم، أسير متابعة فرح عشاق الرياضة، أسير متابعة ثورة التكنولوجيا ليس انزلاقاً داخل هذه المنظومة الثقافية الممتزجة ببعضها، ولكن من منطق طبيعي لانتشار ثقافة موحدة علينا أن نستفيد منها، ونتعايش معها داخل ساحة واحدة وطروحات معروضة دون مقابل ولا يمكن للمتابع أن يفصلها عن بعضها.