بحث



الأحد 2 شعبان 1429هـ -3 أغسطس2008م - العدد 14650

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


الوادي الكبير في المخطوط القرمزي

جهاد فاضل
    تأبى غرناظة الأندلسية أن تغادر الذاكرة الاسبانية والعربية على الخصوص، فتنبعث بين الوقت والآخر لتكشف عما كانت تخزنه من ثروة روحية وإنسانية فائقة الوصف. فهاهو الكاتب الاسباني الكبير انطونيو غالا ينشر في غرناطة الأندلسية في لحظات الغروب، روايته "المخطوط القرمزي" التي تناول حياة أبي عبدالله الصغير آخر ملوك بني نصر في غرناطة وآخر ملوك العرب قاطبة في الأندلس، والذي سلم مفاتيح الحمراء في 2يناير عام 1492للملكين الكاثوليكيين فرناندو وايزابيلا. وبهذا أسدل الستار بصورة نهائية على الحضارة الإسلامية التي استمرت ثمانية قرون في شبه الجزيرة الايبرية، وكانت حلقة وصل بارزة بين ثقافة الشرق وثقافة الغرب.

وأبو عبدالله الصغير كان وما زال يمثل كنزاً من كنوز الإبداع العالمي، وهو في ذلك يشبه شخصيات تنطوي حياتهم على أحداث درامية مثل انطونيو وكليوباترة، والمعتمد بن عباد، آخر ملوك بني عبَّاد في اشبيليا. ولكن لعل شخصية أبي عبدالله الصغير هي أكثر هذه الشخصيات درامية وإثارة للشجن. فلم يخطئ عندما قال هذه الكلمات التي ينقلها التاريخ عنه: "أنا الأكثر سوء حظ من بني نصر، وها انذا بمنأى عن الجميع سواء كانوا أحياء أو موتى. وأنا الذي فقدت حقي في أن أُنسب إلى سلالتي".

في الكتاب الذي صدر في القاهرة مؤخراً بعنوان "غرناطة في ذاكرة النص" يعرض الدكتور حامد أبو أحمد لرواية انطونيو غالا هذه. غالا يقول (في شبه حيلة روائية معروفة) إنه عثر في مدينة فاس بالمغرب على مخطوطة قديمه بدأ أبو عبدالله الصغير بكتابتها في قصره بالحمراء قبل أن يغادر إلى المغرب واتمَّها في فاس التي قضى فيها فيما بعد بقية عمره أما لماذا حملت المخطوطة اسم "المخطوط القرمزي" فلأن أبا عبدالله الصغير كان يكتب في قصره بغرناطة على ورق قرمزي وعندما اضطر لترك القصر حمل معه في أمانة قصره ورقاً قزمزياً أيضاً.

في هذا المخطوط يطلعنا أبو عبدالله على الكثير من دخائل نفسه. فهو يقول: ربما لن يعني لأحد أن يرى انني كنت أفضل تشخيص لشعب حكم عليه بأن يغادر الفردوس. لقد ظللت تابعاً فترة أطول ما كنت ملكاً، وبقيت في المنفى أكثر مما جلست على العرش فمنذ أكثر من ثلاثين عاماً سلّمت مفاتيح بيتي. (يقول أبو عبدالله هذا الكلام وهو في الرابعة والستين من عمره، وكان عمره عندما ترك غرناطة واحداً وثلاثين عاماً)!

تعيد رواية المخطوط القرمزي صوراً أندلسية شتى إلى الذاكرة المعاصرة، الفصل الأول وعنوانه "أنعم بالسلامة في البستان" يتناول طفولة ابي عبدالله وصباه من خلال علاقته بعدد من الشخصيات هي: المرضعة صبح وفايز البستاني وعمه يوسف والطبيب إبراهيم اليهودي، ونسيم الخصي وأخوه يوسف، وعمه أبو عبدالله الذي سمي فيما بعد بالزغل، وأمه عائشة وزوجته مريم. ومن خلال علاقة أبي عبدالله الصغير بهذه الشخصيات نطلع على خفايا قصر الحمراء في هذه المرحلة الأخيرة من دولة بني نصر. وتمضي الأحداث متصلة بخيط تاريخي يكشف عن احتدام الصراع بين مملكة غرناطة والممالك المسيحية، فضلاً عن المؤامرات والدسائس التي كانت تدور بين أعضاء الأسرة النصرية انفسهم. ونرى في هذا الفصل الأول كيف كانت أمه عائشة الموصوفة في كتب التاريخ بالحرة، حانقة على ابيه السلطان أبي الحسن بسبب زواجه من امرأة أخرى من أصل مسيحي تُدعى ثريا. وقد انتهى هذا الفصل بمؤامرة من أمه وبعض شخصيات القصر أدت إلى خلع أبيه وتوليته - أي أبي عبدالله - مكانه. ثم كانت حروب وفتن بين المسلمين أنفسهم، أو بينهم وبين المسيحيين. وقد أسر أبو عبدالله في معركة ضد المسيحيين بمدينة لوشا. ولكن هذا الأسر لم يمنع مساجد غرناطة من أن تعلن عن اسمه بوصفه السلطان الجديد.

وجاء الفصل الثاني تحت عنوان "طيور الرحمة" ويتناول حياة أبي عبدالله في الأسر، وما صحب ذلك من أحداث جسام، ومؤامرات وحروب. والفصل الثالث عنوانه "كبارهم وكانوا لا معين" ومعظمه يدور حول إقامة الملكين الكاثوليكيين فرناندو وايزابيلا لمعسكر قريب من غرناطة أطلقوا عليه اسم "سانتافي"، أي الإيمان المقدس، ومن هذا المكان جرت المفاوضات الطويلة بين الجانبين والتي أدت في النهاية إلى تسليم غرناطة.

الفصل الرابع والأخير وعنوانه "كل موسيقى تتوقف" وهو عن تسليم المدينة وما تلا ذلك من أحداث انتهت بذهاب أبي عبدالله وأسرته ومن معه إلى مدينة فاس في المغرب. وتقع الرواية في 570صفحة.

من أهم ما تحويه الرواية تأملات ينسبها انطونيو غالا لأبي عبدالله الصغير، منها هذا التأمل حول المسجد الجامع في قرطبة وهو أحد أعظم مساجد الدنيا: "أن هذا الجمال لا يمكن أن يكون نتيجة حرب أو انتصار أو حتى نتيجة لثقافة بادئة، وإنما كان نتيجة سلام مقيم، واتجاه روحي بلغ أقصى مداه إنه ليس علمل شخصي، ولا مجموعة أشخاص، وإنما هو عمل فكرة رئيسية عن العالم. أي دين رفع هذه الغابة من الأعمدة لكي يحيط بنظرة المؤمنين ويعلو بها لا لتوجّه إلى أي احتفال، وإنما كي تتجه نحو إله واحد أحد؟

وهناك تأملات كثيرة في "المخطوط القرمزي" لأبي عبدالله ذلك أن وجوده في أي مكان يصير دافعاً قوياً للتأمل. فهو يكتب تأملاته في المسجد الجامع، أو عندما يغادر قصر الحمراء، أو عندما كان يقدم على معركة حربية أو مناوشة. حتى أنه عندما ذهب إلى فاس ليمضي بقية حياته فيها، كتب عندما شاهد ما شاهد فيها: "إن المدن مثل النجوم تتأخر في الانطفاء حتى بعد أن تموت".

وعن "الوادي الكبير" وهو من معالم الطبيعة الأندلسية الخصبة، يقول أبو عبدالله: "ان نهر الوادي الكبير لم يكن أبداً للدفاع، بل كان مجرى للاتصال. ولم يكن سداً، بل كان رابطاً. إن الشر أو الخير الذي جاء إلى الأندلس من جهة الشمال، وصل عن طريقه. ولكني لا أدري هل ما جاء من جهة الجنوب كان أسوأ أو أفضل؟

يستخدم أنطونيو غالا في المخطوط القرمزي تقنيات مختلفة. لا يمكن أن يأتي أبو عبدالله بعد خمسمائة سنة من سقوط الأندلس ليذرف الدموع الساخنة عليها، أو يطلم الخدود ويشق الجيوب، وإنما لا بد أن يلجأ إلى نوع من التأمل تصير فيه العبرة أجدى من الدمعة، والتناول الشاعري أفضل من الانخراط في سلك المأساة باجترارها وإثارة النفوس حولها.وهذا ما فعله أنطونيو غالا وهو يتلبس شخصية أبي عبدالله الذي شاء له الحظ العاثر أن يغادر قصر الحمراء إلى الأبد، وأن يطلق زفرته الأخير وهو يغادر غرناطة من مكان يطل عليها يسميه الاسبان (زفرة المغربي) وقد تحول منذ فترة إلى مزار سياحي.

في "المخطوط القرمزي" أشعار كثيرة قد يكون بعضها لأبي عبدالله، وقد كان شاعراً، وقد يكون بعضها الآخر لأنطونيو غالا وهو شاعر بدوره. الرواية تستحق أن تنقل إلى العربية ولكن على من ينقلها أن يعود إلى الأصل العربي للنص الشعري إن وجد، كما لا بد أن يعود إلى دواوين أندلسية كثيرة ليرى إلى من يمكن أن يُنسب هذا النص الشعري، أو ذاك. ولا بد للعربي أن يمسك دموعه وهو يتجول في ذاك الفردوس المفقود، وبخاصة إذا قارن بينه وبين حاضرنا البائس!

تعليقان
تنويه: في حال وجود ملاحظة أو اعتراض على أي تعليق يرجى الضغط على (إبلاغ)

 


نبكي ملكا... كان لنا ولاأبآئنا * ضيعناه بالكيد والقتل للحم بعضنا
قد نعود يوما بقائد من اصلابنا * لتلك الجنان ونصلي بالمساجد معا


أبو عبدالمحسن
ابلاغ
02:48 مساءً 2008/08/03

 


...ولكن رواية " المخطوط القرمزي " تمت ترجمتها إلى العربية، وصدرت عن دار " ورد " الدمشقية، بقلم رفعت عطفة، و توجد في مكتبتي الطبعة الثانية منها وقد صدرت في العام 1998 م..
يبدو أنك لست متابعا جيدا يا أستاذ جهاد.!!


عبد المحسن يوسف
ابلاغ
08:38 مساءً 2008/08/03


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية