د. مشاري بن عبدالله النعيم
أشعر بصداع كبير من كثر الاتصالات حول مسألة القبول في الجامعة، كثير من الأقارب والاصدقاء والمعارف وحتى زملاء الابتدائية والاعدادية وقد كنت نسيت أسماءهم وملامح وجوههم أتصلوا وذكروني بأيام لا أذكر منها شيئاً وطلبوا مني أن لا أنسى حق الصحبة وأرسلوا لي بأسماء بناتهم وأبنائهم والحقيقة أنني لم أستطع أن أبين لهم أنني لست مدير الجامعة ولا وزير التعليم العالي وأنني مجرد عضو هيئة تدريس لاحول له ولا طول وحتى لو كان لي حق التدخل يفترض أن يكون تدخلي منطقياً لا على أساس إعطاء من ليس حق حقوق الآخرين، فمن أكون أنا حتى أقوم بهذا العمل. الجميع يعتقد أنني لا أريد أن أساعد أحداً ومعهم حق وهاأناذا أناشد وزير التعليم العالي أن يرفق بأبنائنا وبناتنا وأن لا ينتهي بهم الأمر إلى الجلوس في البيوت أو السفر للتعلم في الخارج في جامعات لا تعترف بها الوزارة أو أن يضطروا للتعلم في "دكاكين التعليم العالي" التي صارت تنتشر في بلادنا بشكل غريب (وعلى فكرة هناك بعض الدكاكين تعمل في بعض مناطق المملكة ولا تستطيع العمل في المناطق الأخرى لأنها ممنوعة، أرأيتم أعجب من هذا). لا أحد يريد أن ينتهي به المطاف إلى لاشيء حتى أن جميع الأسر السعودية بلا استثناء صاروا يعيشون "كابوس" التخرج من الثانوية لأنهم لا يعرفون ماذا سيحل بأبنائهم وبناتهم وأصبحوا يتمنون أن لا تأتي تلك السنة التي سوف يتخرجون منها لأنه لاتوجد خطوة واضحة بعد ذلك.
المشكلة أن هذه الحالة مستمرة منذ سنوات ولا يوجد حل، تم افتتاح جامعات جديدة وتوسيع الجامعات القائمة ولم تنتهي المشكلة لأن الأمر في ازدياد وعدد الطلاب والطالبات يتضاعف عاما بعد عام ولايمكن استيعاب كل هذه الأعداد مهما توفرت الامكانات، على أنني لا أعفي الوزارة (وأقصد هنا وزارة التخطيط التي لا نشعر بأي وجود لها) من المسؤولية فهي وزارة "معاقة" لا تقدم شيئاً أبداً ولا تتعامل مع المشاكل التي نعيشها بمنطقية وواقعية بينما يفترض أنها تقدم توقعات مستقبلية تجعل المؤسسات الأخرى مستعدة للمستقبل والمشاكل التي يمكن أن تحدث فيه بدلا من هذا العمل المنفرد والعشوائي في التعامل مع القضايا الملحة التي نعيشها ويمكن أن نعيشها قريبا، فمن قال إن مشكلة القبول هي مشكلة وزارة التعليم العالي فقط، ومن قال إنها مشكلة الجامعات السعودية فبربكم عندما يتقدم أكثر من 40ألف طالب وطالبة لجامعة قدرتها الاستيعابية 8أو 10آلاف طالب وطالبة (مع التمطيط) كيف سيكون الوضع وهل يمكن أن يكون هناك رضاء عن الجامعة أو المؤسسة التعليمية ككل. هذا يعني أنه مهما تم ترقيع القبول لن يكون مرضياً عنه لأن "الشق أكبر بكثير من الرقعة".
بالنسبة لي أنظر للأمر نظرة مختلفة لأن القبول في الجامعة ليس نهاية المطاف ويبدو أن عقلية الأسرة السعودية تدربت فقط على أن يكون ابناؤها في الجامعة وأنهم لن يجدوا عملاً ولن يحترمهم المجتمع إذا لم يكونوا جامعيين بل تعدى الأمر إلى الزواج فكثير من الاسر لا تزوج بناتها لمن ليس لديه شهادة جامعية وكل هذا يشكل عوامل ضغط على الاسرة وعلى الأفراد وينعكس على شكل ضغوط كبيرة على القبول في الجامعات فمن بين كل خريجي الثانوية يفترض أن يقبل كل الخريجين وهذا أمر غير منطقي لأن بلداً كبيراً وواسعاً مثل المملكة يحتاج إلى عدد كبير من الموظفين المدربين من حملة الدبلومات والثانوية العامة القادرين على العمل وهو الأمر الذي فشل فيه التعليم العام لأن خريج الثانوية لدينا لايتقن أي شيء ولا يستطيع العمل ولايمكن أن يطور مهنة حقيقية إلا بعد جهد كبير لأنه ليس فقط غير قادر على العمل بل لأنه يشعر بالانكسار لأنه لم يكمل دراسته الجامعية كما أنه يعيش ضغوط المجتمع عليه وبالتالي لانجد الكثير من الذين تطورا مهنيا بعد الثانوية. ويبدو أنني لابد أن أعرج هنا على صندوق الموارد البشرية الذي يفترض أن يكون مناطا بالتدريب، وهو مؤسسة تحتاج للكثير من التطوير لأنه بوضعه الحالي مجرد وسيط بين المتدربين ومؤسسات التدريب مالياً أما مسألة المراقبة والبحث عن الجودة التي تحقق استقرار مهني في المستقبل فلا اعتقد شخصيا أن الصندوق يقوم بهذا الدور، لأنه مؤسسة مناطة بترقيع الحاضر والتخفيف من وطأة البطالة وليس مؤسسة مرتبطة بخطة استراتيجية تهدف إلى نقل المملكة إلى بلد يديره المهنيون المواطنون في كافة المجالات.
يبدو أن هناك عوامل مركبة ومعقدة تساهم في تزايد مشكلة القبول في الجامعات لأن البدائل الأخرى معدومة أو يصعب الوثوق فيها، لأنها بدائل غير جادة وغير مدروسة ولم تجد نفعاً خلال السنوات الماضية وعندما نتحدث عن البديل لايمكن الاكتفاء بالدورات التدريبية غير الجادة التي يمكن أن يقدمها صندوق الموارد البشرية حتى لو أصبحت جادة ومتقنة لأن إمكانات الصندوق لن تغطي فلماذا يجب أن نقوم بتدريب جميع خريجي الثانوية مع أن لدينا اثني عشر عاما يقوم الطلاب فيها بالدراسة في التعليم العام. البديل الجذري الذي أراه مناسباً هو تحول التعليم العام برمته إلى فرصة تدريبية وتعليمية، فماهو وجه الصعوبة أن يكون خريج الثانوية متقناً لمهارات مهنية متعددة تحتاجها بلادنا في المستقبل كأن يترك الخيار للطلاب في المجال العلمي مثلاً اختيار مسارات مهنية كل حسب اهتمامه وفي مجالات هندسية وطبية وعلمية بحتة تمكن الطالب من إتقان دور المساعد المهني فيما لو قرر عدم إكمال دراسته الجامعية وكذلك في الاقسام الادبية (مع أنني غير مقتنع بفكرة العلمي والادبي وأتمنى لها الزوال في القريب العاجل) وبدلاً من التفكير في معدل تراكمي واختبار للقدرات واختبارات تحصيلية لتعقيد القبول ووضع العراقيل أمام خريجي الثانوية، يفترض بنا تدريب أبنائنا وبناتنا على العمل والاعتماد على الذات فكثير من الناجحين لم يكملوا تعليمهم العالي وحققوا نجاحات مذهلة لكني لا ألوم طلابنا ولا آباءهم وأمهاتهم على الاصرار على الدخول للجامعة لأن البديل يمثل "خرافة" لن تتحقق في يوم.
ما يزعجني حقا هو أن الطريق أمامنا واضح ولا نسير فيه وما يقلقني فعلا هو أنني أجد بعض الزملاء من غير السعوديين نقلوا اسرهم لموطنهم الاصلي لأنهم جربوا التعليم في بلادنا (في السنوات الابتدائية المبكرة) واكتشفوا أنه تعليم غير صالح وأن أبناءهم لن يتعلموا شيئاً وسوف يخسروا المستقبل ونحن نتفرج ونعتقد أن ابناءنا وبناتنا يتعلمون لأنهم كل يوم يذهبون للمدرسة صباحاً ويعودون ظهراً ولا نعلم ماذا يحدث خلال هذه الساعات. ما زلت أقول إن حل مشكلة القبول تبدأ من الابتدائية ويمكنني هنا كذلك أذكر القارئ العزيز بفكرة "وزارة التعليم الثانوي" لأنها يبدو أنها ستكون حلاً لتطوير التعليم العام والتعليم العالي.